الحديث في الصحيحين من طريق نافع مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر.
ويرويه عن نافع: عبد الله بن عون، وصخر بن جويرية، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر العمري، وعبد الله بن عمر العمري، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وقد اختلف في متنه على نافع، وفي متنه وإسناده أو إسناده فقط على بعض من دونه، على النحو التالي:
فأمَّا ابن عون، فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: محمد بن عبد الله الأنصاري، ويزيد بن زريع، وأزهر بن سعد السمان، وسليم بن أخضر، ومحمد بن أبي عدي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وبشر بن المفضل، ويحيى بن سعيد القطان، وإسماعيل ابن علية، ومعتمر بن سليمان، وعبد الله بن المبارك، وعمر بن حبيب، ومعاذ بن معاذ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، ويزيد بن هارون، وسعيد بن سفيان الجحدري، وأبي كدينة يحيى بن المهلب البجلي، وأشهل بن حاتم، وداود بن أبي هند، وحماد بن زيد، وأبي أسامة حماد بن أسامة، والنضر بن شميل.
وأبي عاصم النبيل فيما يرويه البخاري، وإسحاق بن سيار، ويزيد بن سنان.
وسفيان الثوري فيما يرويه عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري.
الوجه الثاني: ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.
وهو رواية: أبي إسحاق الفزاري، وأبي عاصم النبيل فيما يرويه يعقوب بن إسحاق القلوسي، وسفيان الثوري فيما يرويه أبو داود الحفري، ومحمد بن يوسف الفريابي.
وبهذا يظهر أنه قد اختلف أيضًا على أبي عاصم النبيل، والثوري، فأمَّا أبو عاصم؛ فالصواب عنه: رواية الأكثر -وفيهم البخاري- على الوجه الأول.
وأمَّا الثوري؛ فالصحيح عنه: رواية أبي داود الحفري، والفريابي على الوجه الثاني، أمَّا الوجه الأول فمن حديث الذماري وهو ضعيفٌ([1])، والإسناد إليه ليس بذاك، ومع هذا فقد وهم في لفظ الحديث، فرواه مختصرًا بلفظ: (إن عمر أوصى بأرض خيبر للمساكين، فقال له النبي ﷺ: أمسك أصلها، وتصدق بغلتها، فهي تجري على ذلك اليوم)، فقصرها على المساكين فقط، بينما رواه عنه أبو داود الحفري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وفيه: (إن شئت تصدقت بها، فتصدق بها على أن لا تباع، ولا توهب، في الفقراء، وذي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل...)، بنحو رواية الجماعة عن ابن عون.
وأما ابن عون، فالراجح عنه: رواية الجماعة على الوجه الأول، وفيهم أصحابه المقدمون فيه، وهم: أزهر بن سعد السمان، وسليم بن أخضر، وكانا ملازمين لابن عون، ومن أثبت الناس فيه، وقد قيل لابن عون: من أصحابك؟ فقال: "سليم سليم، وأزهر أزهر".
وقال سليمان بن حرب: "حدثنا سليم بن أخضر، وكان في ابن عون كحماد بن زيد في أيوب".
وقال ابن سعد: "سليم بن أخضر، كان ألزمهم لعبد الله بن عون، وكان ثقة".
وقال ابن معين: "لم يكن أحد أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سليم بن أخضر"، وقال أيضًا: "أروى الناس عن ابن عون، وأعرفهم به أزهر".
وقال علي بن المديني: "كان يحيى يقدم أزهر على سليم، وكان عبد الرحمن يقول مثلهم، فكنت أقول ليحيى، فقال: اسكت، أزهر لم يكن منهم أحد ألزم منه، ولا أصح".
وقال أبو داود: "سمعت أحمد، قال: لم يكن في أصحاب ابن عون مثل سليم، فقيل لأحمد: أزهر ليس مثله، قال: اليوم ليس، قد كان بعد إذ ذاك سليم وأزهر".
وقــال الإمام أحمد أيضًا: "أروى الناس عن ابن عون: سليم بن أخضر، وأزهر السمان".
وكذلك رواه معاذ بن معاذ، وقد سأل عثمان الدارمي ابن معين عنه، فقال له: "أزهر السمان، كيف حديثه؟ فقال: ثقة، قلت: فمعاذ بن معاذ؟ فقال: ثقة، قلت: أيهما أثبت في ابن عون؟ فقال: ثقتان"([2]).
وبهذا يتضح أن أبا إسحاق الفزاري والثوري خالفا الجماعة عن ابن عون، فجعلاه من مسند عمر؛ ولذلك رجَّح أبو عوانة الوجه الأول؛ فقال: "والصحيح أنه لعبد الله بن عمر"، يعني: من مسنده، لا من مسند أبيه([3]).
وأشار إلى ذلك الدارقطني أيضًا، فقال: "وهو حديث صحيح من حديث ابن عون، عن نافع، وأمَّا ابن عون، فإن الثوري، يقول فيه: عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، وغيره يرويه عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن عمر"([4]).
وقال الحافظ ابن حجر: "كذا لأكثر الرواة عن نافع، ثم عن ابن عون، جعلوه في مسند ابن عمر، لكن أخرجه مسلم، والنسائي من رواية سفيان الثوري، والنسائي من رواية أبي إسحاق الفزاري، كلاهما عن عبد الله بن عون، والنسائي من رواية سعيد بن سالم، عن عبيد الله بن عمر؛ كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، جعله من مسند عمر، والمشهور الأول"([5]).
والذي يظهر أن مسلمًا ذكره بيانًا لعلته كما أشار في مقدمة كتابه، فقد ساقه من طريق سليم بن أخضر، وأزهر السمان، وغيرهم، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، ثم ساق رواية الثوري التي جعل الحديث فيها من مسند عمر، إعلالًا لها.
وأمَّا المتن؛ فقد اتفق جمهور الرواة عن عبد الله بن عون على روايته بلفظ: (قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول).
هكذا رواه أصحاب ابن عون؛ جعلوا عبد الله بن عمر يحكي وقف أبيه، ورواه أبو عاصم النبيل، وسعيد بن سفيان الجحدري، وأبو كدينة، فجعلوا وصف الوقف من كلام النبي ﷺ، هكذا في حديث أبي كدينة، وفي حديث الأولين إلى قوله: (ولا تورث)، وما بعده من كلام ابن عمر.
ورواية الجماعة هي الأصح، أما أبو كدينة يحيى بن المهلب البجلي، فربما أخطأ كما قال ابن حبان([6])، وأما أبو عاصم، والجحدري فقد تكون المخالفة في حديثيهما من أوهام الراوي عنهما، وهو: يزيد بن سنان الأموي، الذي قرن بين روايتيهما عند الطحاوي.
قال ابن حجر: "ولم يختلف فيه عن ابن عون إلا ما وقع عند الطحاوي من طريق سعيد بن سفيان الجحدري، عن ابن عون، فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدري إنما رواه عن صخر لا عن ابن عون"([7]).
ويفهم من كلام ابن حجر أن يزيد بن سنان أو من دونه ساق الحديث عن الجحدري وأبي عاصم، على لفظ حديث الجحدري، عن صخر بن جويرية، وأخطأ في جعل حديث الجحدري، عن ابن عون، فيكون حمل الإسناد على رواية أبي عاصم، وحمل المتن على رواية الجحدري.
وهذا الذي ذكره ابن حجر له وجاهة، لكن يشكل عليه أمران:
1- أن حديث الجحدري، عن صخر ليس بالمشهور، إنما جاء من رواية حبيب بن بشر، وحبيب لم أقف له على ترجمة، فهو في حكم المجهول، وعليه لا يمكن الجزم بتخطئة الثقة([8]) في الإسناد لأجل رواية المجهول.
2- جاء في متن الحديث: (إن شئت حبست أصلها، لا تباع ولا توهب، قال أبو عاصم: وأراه قال: لا تورث) وهذا يفهم منه أن الراوي قد راعى الفروق بين الروايتين، ولم يحمل إحداهما على الأخرى.
فالظاهر أن الحديث ثابت عن الجحدري، وأبي عاصم، بهذا اللفظ، ولعله لهذا السبب اختصره البخاري، فرواه عن أبي عاصم بلفظ: (أن عمر ﭬ وجد مالًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، قال: إن شئت تصدقت بها، فتصدق بها في الفقراء والمساكين وذي القربى والضيف).
وزاد معاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون في آخره: (وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر).
فأما معاذ؛ فقد روى الحديث عنه جماعة، لكن لم أقف على حديثه إلا مقرونًا أو مختصرًا، ولم يأت تامًا إلا عند الدارقطني من رواية محمد بن الحسن بن أبي الشوارب، عن العباس بن يزيد البحراني، عنه، وابن أبي الشوارب متكلم فيه([9])، والعباس صدوق يخطئ([10])، وهذه زيادة مهمة فالظاهر أنها لو كانت في حديث معاذ لبينها من اختصر اللفظ أو قرنه بغيره.
وبناء على ما سبق يصبح يزيد بن هارون متفردًا بهذه الزيادة، من بين ستة وعشرين راويًا من تلاميذ ابن عون.
وأما صخر بن جويرية؛ فروه عنه موصولًا بذكر ابن عمر: أبو سعيد مولى بني هاشم، وموسى بن سليم، وسعيد بن سفيان الجحدري، ورواه محمد بن الحسن الشيباني، عنه عن نافع مرسلًا.
فالوصل ثابت عن صخر، من رواية الجماعة، وقد استشهد به البخاري من رواية أبي سعيد مولى بني هاشم، عن صخر.
وأمَّا أيوب السختياني، فرُوي إسناد الحديث عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أيوب، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع، وحماد بن زيد فيما يرويه قتيبة بن سعيد، ويونس بن محمد المؤدب، والهيثم بن سهل التستري.
الوجه الثاني: أيوب، عن نافع؛ أن عمر مرسلًا.
وهو رواية: حماد بن زيد فيما يرويه خلف بن هشام البزار، وسليمان بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وعبيد الله بن عمر القواريري.
الوجه الثالث: أيوب؛ أن عمر، لم يذكر نافعًا، ولا ابن عمر.
وهو رواية: حماد بن زيد فيما يرويه أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني.
وبهذا يظهر أن الاختلاف على أيوب ناتج من الاختلاف على حماد بن زيد، وقد ذهب الإسماعيلي إلى أن الوجه الثاني هو الصواب عن حماد، قال ابن الملقن: "قال الإسماعيلي: الذي عندنا عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع؛ أن عمر، ليس فيه ابن عمر، ثم ساقه كذلك، وساقه بإسقاط نافع أيضًا، قال: ووصله يزيد بن زريع وابن علية، ثم ساقه من حديث يزيد بن زريع بإثباته... "([11]).
وقــال العيني: "وقد اعترض الإسماعيلي عليه بأن المحفوظ: عن حماد بن زيد، عـن أيوب، عن نافع؛ أن عمر رضي الله تعالى عنه، وليس فيه: ابن عمر، ثم أورده كذلك من طريق سليمان بن حرب وغير واحد، عن حماد، عن أيوب، عن نافع... "([12]).
أمَّا الدارقطني فلم يحك خلافًا على حمًاد، بل قال: "وأمَّا حديث أيوب، عن نافع، فهو غريب عنه، تفرَّد به حماد بن زيد، عنه، ولا أعلم حدَّث به عن حماد غير يونس المؤدب، تابعه الهيثم بن سهل وكان ضعيفًا، عن حماد، عن أيوب"([13]).
كذا قال، فلم يذكر الخلاف على حماد في وصله وإرساله، ومع ذلك فقد رواه قتيبة بن سعيد -عند البخاري- على الوجه الأول أيضًا، ولم يتفرد به حماد، عن أيوب؛ فقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع، عن أيوب موصولًا.
وقال البيهقي -بعدما ساقه من طريق الهيثم بن سهل التستري-: "وكذلك رُوي عن يونس بن محمد، عن حماد، عن أيوب، وعن يزيد بن زريع، عن أيوب، وأرسله جماعة عن حماد، وأخرج البخاري آخره عن قتيبة، عن حماد موصولًا".
والذي يظهر -والله أعلم-: أن وصل الحديث على الوجه الأول محفوظ عن حماد؛ فهو الذي اختاره البخاري في الصحيح، وهو الموافق لرواية ابن علية، وابن زريع، عن أيوب.
وأمَّا عبيد الله بن عمر؛ فيرويه عنه: سفيان بن عيينة، وسعيد بن سالم القداح، ومحمد بن عمر الواقدي، ويحيى بن سليم الطائفي، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وصدقة بن يزيد، ومسلم بن خالد الزنجي، وصالح بن عمر الواسطي، وعبد الرحمن بن عبد الله العمري.
وقــد اختلـف فـي إسناد الحديث على عبيد الله بن عمر، وعلى تلميذه سفيان بن عيينة:
فأما ابن عيينة، فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: ابن عيينة، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ومحمد بن عبد الله الخلنجي، وبشر بن مطر، والزبير بن بكار، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وحامد بن يحيى البلخي، ومحمد ابن أبي عمر العدني في رواية، والشافعي في رواية، والحميدي في رواية.
الوجه الثاني: ابن عيينة، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: يحيى بن عبد الحميد الحماني، وعبد الرحمن بن يونس المستملي، ومحمد بن الصباح الدولابي، ومحمد ابن أبي عمر العدني في رواية، والشافعي في رواية، والحميدي في رواية.
وعند النظر في هذا الاختلاف، نجد أنه وقع في أصول كتب الشافعي، والحميدي بالوجهين، وكذا عند من ساق الحديث من طريقهم، مع أن الدارقطني عندما ذكر الاختلاف جزم بأن الشافعي رواه عن سفيان، عن عبيد الله، بينما رواه الحميدي، عن سفيان، عن عبد الله، فقال: "ورواه ابن عيينة، عن عبيد الله، واختلف عنه؛ فرواه الشافعي، وأبو عبيد الله المخزومي، والزبير بن بكار، وبشر بن مطر، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، وخالفهم الحميدي، فرواه عن ابن عيينة، عن عبد الله، أخي عبيد الله"([14]).
ولا يبعد أن يكون الحديث محفوظًا عن ابن عيينة بالوجهين، مع أن رواية الأكثر بالوجه الأول، يدل على ذلك: رواية ابن أبي عمر العدني، فقد ساقها ابن ماجه عنه بذكر عبيد الله، ثم قال: "قال ابن أبي عمر: فوجدت هذا الحديث في موضع آخر في كتابي: عن سفيان، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر".
وأمَّا عبيد الله بن عمر، فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم الطائفي، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وصدقة بن يزيد، ومسلم بن خالد الزنجي، وصالح بن عمر الواسطي، وعبد الرحمن بن عبد الله العمري.
الوجه الثاني: عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.
وهو رواية: سعيد بن سالم القداح، ومحمد بن عمر الواقدي.
والصحيح: رواية الجماعة بالوجه الأول، وأمَّا الوجه الثاني فلا تخلو رواته من مقال: فأما سعيد بن سالم فهو صدوق، متكلمٌ في حفظه([15])، وأما الواقدي فمتروك([16]).
وأما المتن؛ فقد رواه سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، فقال فيه: (جاء عمر إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا لم أصب مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها، وإني قد أردت أن أتقرب بها إلى الله ۵، قال: فاحبس أصلها، وسبِّل الثمرة).
هذه أصح الروايات عن عبيد الله؛ فابن عيينة ثقة حافظ، ووافقه على هذا اللفظ عن عبيد الله: سعيد بن سالم القداح، والواقدي، والدراوردي، وصالح بن عمر.
ورواه آخرون عن عبيد الله، فزادوا فيه ألفاظًا:
رواه صدقة بن يزيد بلفظ: (يا رسول الله، ما من مالي شيء أحب إلي من المائة وسق التي أطعمتنيها من خيبر، فقال له رسول الله ﷺ: فاحبس أصلها، واجعل ثمرها صدقة، قال: فكتب عمر هذا الكتاب: من عمر بن الخطاب في ثمغ والمائة الوسق التي أطعمنيها رسول الله ﷺ من أرض خيبر، إني حبست أصلها، وجعلت ثمرتها صدقة لذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وللمقيم عليها أن يأكل أو يؤكل صديقًا لا جناح، لا تباع، لا توهب، لا تورث، حبيس ما دامت السماوات والأرض، جعل ذلك إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت فإلى ذي الرأي من أهلها)، فتفرد صدقة بهذا السياق، وزاد: (حبيس ما دامت السموات والأرض)، وأيضًا زاد: (جعل ذلك إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت فإلى ذي الرأي من أهلها).
وصدقة بن يزيد متكلمٌ فيه، وضعَّفه الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما([17])، ويرويه عن صدقة روَّاد بن الجراح، وهو صدوق اختلط بأخرة فتُرك([18]).
ورواه أيضًا عن عبيد الله: مسلم بن خالد الزنجي، وذكر فيه: (أن عمر ﭬ، قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أتصدق بمالي)، ومسلم بن خالد ضعيف الحديث([19])، والمحفوظ أنها كانت صدقة تطوع، قال ابن حجر: "ووقع في رواية للدارقطني إسنادها ضعيف؛ أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أتصدق بمالي، ولم يثبت هذا، وإنما كان صدقة تطوع"([20]).
وكذا رواه يحيى بن سليم الطائفي، وزاد فيه: (قال ابن عمر: إنها لأول صدقة تصدق بها في الإسلام)، ويحيى بن سليم الطائفي ضُعف لسوء حفظه، وتكلم غير واحد في روايته عن عبيد الله خاصة؛ قال النسائي: "منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر"، وقال الساجي: "صدوق يهم فى الحديث، وأخطأ فى أحاديث رواها عبيد الله بن عمر، لم يحمده أحمد"([21]).
ورواه عبد الرحمن بن عبد الله العمري، فقال فيه: (إن لي مالًا بثمغ، أكره أن يباع بعدي)، ولم يذكر الجملة الأخيرة غيره، وهو متروك([22]).
وأمَّا يحيى بن سعيد الأنصاري؛ فيرويه عنه: عبد العزيز بن المطلب، وسليمان بن بلال.
وقد اختلف في إسناده على عبد العزيز بن المطلب، فرُوي عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عبد العزيز بن المطلب، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وإبراهيم بن سعد، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد في رواية.
الوجه الثاني: عبد العزيز بن المطلب، حدثني الثقة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: يعقوب بن إبراهيم بن سعد في رواية.
الوجه الثالث: عبد العزيز بن المطلب، حدثني يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو رواية: إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس.
وقد ساق الدارقطني الخلاف ولم يرجح، فقال: "ورواه عبد العزيز بن المطلب، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه؛ فرواه ابن أبي أويس، عن عبد العزيز، عن يحيى بن سعيد، وخالفهم([23]) يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فرواه عن عبد العزيز بن المطلب، عن الثقة عنده، عن يحيى بن سعيد"([24]).
والذي يظهر ثبوت الواسطة بين عبد العزيز ويحيى، فقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد بالوجهين، فقال: "عن عبد العزيز بن المطلب، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، وقال مرَّة: حدثني الثقة، عن يحيى بن سعيد".
فأبان يعقوب بن إبراهيم عن علة انقطاعٍ بين عبد العزيز ويحيى، وفي المقابل لم يذكر عبد العزيز سماعًا من يحيى بن سعيد إلا في الوجه الثالث، وهو من رواية عبد الله بن شبيب، عن إسماعيل بن أبي أويس، عنه، وعبد الله بن شبيب واه([25]).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه إلا ابن عون، وهو الذي يُعرف به، وأمَّا حديث يحيى بن سعيد، فإنما رواه عبد العزيز بن المطلب، عنه".
وإذا ثبتت الواسطة فالحديث لا يثبت عن يحيى بن سعيد، علمًا أن عبد العزيز بن المطلب، قال فيه ابن معين وأبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود: لا أدري كيف حديثه، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الدارقطني: شيخ مدني يُعتبر به([26])، أما متابعة سليمان بن بلال فجاءت من رواية الواقدي عنه، والواقدي متروك لا تنفع متابعة مثله.
وأمَّا نافع؛ فقد اختلف عليه في متن الحديث في ثلاثة موضع:
الأول: في قوله: (إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف...).
هكذا رواه ابن عون، عن نافع، وكذلك أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، جعلوا الكلام من وصف عبد الله بن عمر لصنيع عمر في وقفه.
بينما رواه صخر بن جويرية بلفظ: (فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ: تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث)، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري بلفظ: (قال رسول الله ﷺ: تصدق به، تقسم ثمره، وتحبس أصله، لا تباع، ولا توهب)، فجعلا وصف الوقف من قول النبي ﷺ.
والأصح ما رواه ابن عون ومن تابعه، على أنه لا يبعد أيضًا أن يكون محفوظًا بالوجهين، قاله النبي ﷺ لعمر، وكتبه عمر في وصيته، وقد ساقه البخاري من طريق ابن عون، ومن طريق صخر بن جويرية أيضًا.
قال الحافظ ابن حجر: "كذا لأكثر الرواة عن نافع، ولم يختلف فيه عن ابن عون...، قال السبكي: اغتبطت بما وقع في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع عند البيهقي: (تصدق بثمره، وحبس أصله، لا يباع، ولا يورث)، وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبي ﷺ، بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر، قلت: قد تقدَّم من طريق صخر بن جويرية، عن نافع بلفظ: (فقال النبي ﷺ: تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره)، وهي أتم الروايات وأصرحها في المقصود، فعزوها إلى البخاري أولى، وقد علَّقه البخاري في المزارعة بلفظ: (قال النبي ﷺ لعمر: تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولكن لينفق ثمره، فتصدق به)، وحكيت هناك أن الداودي الشارح أنكر هذا اللفظ، ولم يظهر لي إذ ذاك سبب إنكاره، ثم ظهر لي أنه بسبب التصريح برفع الشرط إلى النبي ﷺ، على أنه ولو كان الشرط من قول عمر فما فعله إلا لما فهمه من النبي ﷺ حيث قال له: (احبس أصلها وسبل ثمرتها) "([27]).
الثاني: في قوله: (يليها ذوو الرأي من آل عمر).
وهذه اللفظة تفرد بها أيوب السختياني، فلم يذكرها غيره، إلا وجه ضعيف عن عبد الله بن عون، وآخر عن عبيد الله بن عمر، وقد تقدم، وفيه: (جعل ذلك إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت فإلى ذي الرأي من أهلها)، فالظاهر عدم ثبوتها.
الثالث: في قوله: (أول صدقة تصدق بها في الإسلام).
وهذه اللفظة تفرد بها عبد الله بن عمر العمري، فلم يذكرها أحد ممن روى الحديث عن نافع، إلا وجه ضعيف عن عبيد الله بن عمر، وقد تقدم، فالراجح عدم ثبوتها لتفرد عبد الله العمري بها، وهو ضعيف([28]).
وللحديث طريق آخر خارج الصحيح: وهو طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
يرويــه: محمــد بن عمر الواقدي، عن ابن إسحاق([29])، عن عبد الله بن يسار، عن سالم.
وهذا الطريق ضعيف جدًا: تفرد به الواقدي، وهو متروك كما سبق.
تنبيـه: أشـار بعض أهل العلم إلى تفرد أهل البصرة أو ابن عون بهذا الحديث، وقد تقدَّم من رواية غير واحد عن نافع، منهم عبيد الله، وعبد الله، ابنا عمر، وهما مدنيان.
قال أبو داود: "هذا مما تفرَّد به أهل البصرة، غير أن سعيدًا القداح روى عن عبيد الله بن عمر منه شيئًا، وأيوب روى عنه منه شيئًا، إلا أن ابن عون جاء به على التمام، وكان ابن عون يُسأل عنه، وهو غريبٌ". وقال: "مخرجُه من المدينة، ولكنه لا يعرف إلا لأهل البصرة، ويفتخرون به"([30]).
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه إلا ابن عون، وهو الذي يُعرف به، وأمَّا حديث يحيى بن سعيد، فإنما رواه عبد العزيز بن المطلب، عنه".
وقال ابن عبد البر: "وهذا الحديث يقولون: إنه لم يروه عن نافع إلا ابن عون، وهو ثقة، لم يروه مالك ولا غيره".
وتعقَّبه ابن حجر فقال: "وقد زعم ابن عبد البر أن ابن عون تفرَّد به عن نافع، وليس كما قال؛ فقد أخرجه البخاري من رواية صخر بن جويرية، عن نافع...، وأخرجه مختصرًا وأحمد والدارقطني مطولًا من رواية أيوب، وأخرجه الطحاوي من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، والنسائي من رواية عبيد الله بن عمر الأكبر المصغر، وأحمد والدارقطني من رواية عبد الله بن عمر الأصغر المكبر، كلهم عن نافع"([31]).