الحديث في صحيح مسلم من طريق عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبي هريرة.
ويرويه عن عبد الرحمن: ابنه العلاء بن عبد الرحمن.
ويرويه عن العلاء: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وسليمان بن بلال، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وأبو سعيد سابق البربري، وعبد العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومسلم بن خالد الزنجي، وشبل بن العلاء، ونصر بن حاجب الخرساني.
وقد اختلف في متن هذا الحديث على العلاء بن عبد الرحمن، ومسلم بن خالد الزنجي، كما اختلف في إسناده على إسماعيل بن جعفر، وأبي سعيد سابق البربري.
فأما إسماعيل بن جعفر؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهو رواية: علي بن حجر، وسليمان بن داود الهاشمي، وموسى بن إسماعيل التبوذكي، وسليمان بن داود الزهراني، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، والوليد بن شجاع، والحسين بن الضحاك.
الوجه الثاني: إسماعيل بن جعفر مرسلًا.
وهو رواية: أحمد بن أسد بن سامان.
والوجه الأول هو الراجح كما هو ظاهر؛ لأنه رواية الجماعة، ولأن راوي الوجه الثاني أحمد بن سامان مجهول الحال، ترجم له الخطيب البغدادي في المتفق، والذهبي في التاريخ، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، إلا أن الخطيب ذكره برواية جماعة عنه، وعرفه الذهبي بأنه: والد الملوك السامانية أمراء ما وراء النهر([1])، وكذلك الراوي عنه وهو ابنه نصر بن أحمد بن سامان، ترجم له ابن الجوزي في المنتظم، والذهبي في التاريخ، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، إلا أنه كان أديبًا فاضلًا([2])، ويحتمل أنه هو الذي أرسله؛ لأنه كان في مقام الوعظ، حيث جاءت خلال الرواية قصة وقفه ضياعًا له على سبيل الخير، وأشهد جلسائه على ذلك، ثم روى الحديث عن أبيه، عن إسماعيل بن جعفر، فكأنه أراد المتن دون الإسناد كما هو معروف من حال الوعاظ والقصاص.
وأما أبو سعيد سابق البربري؛ فروي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: سابق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهو رواية: موسى بن أعين الجزري.
الوجه الثاني: سابق، عن زيد بن أبي أنيسة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهو رواية: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي.
والوجه الأول هو الراجح؛ فإن الإسناد صحيح إلى موسى بن أعين، وهو: ثقة عابد([3])، أما عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي صاحب الوجه الثاني فوثقه ابن معين، وقال ابن نمير: كذاب، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: لا أجيزه، وقال البخاري: "يروي عن قوم ضعاف"، وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه؟ فقال: صدوق، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء، يشبه بقية في روايته عن الضعفاء"، وقال ابن عدي: "سمعت أبا عروبة ينسبه إلى الصدق، وقال: لا بأس به متعبد، ويحدث عن قوم مجهولين بالمناكير"، وقال ابن عدي: "وصورة عثمان بن عبد الرحمن أنه لا بأس به كما قال أَبو عروبة، إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب، وتلك العجائب من جهة المجهولين، وهو في أهل الجزيرة كبقية في أهل الشام، وبقية أيضًا يحدث عن مجهولين بعجائب، وهو في نفسه لا بأس به صدوق، ما يقع في حديثه من الإنكار، فإنما يقع من جهة من يروي عنه"، وقال الساجي: عنده مناكير، وقال ابن حبان: "يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها لا يجوز الاحتجاج به"، وقال الأزدي: متروك، وقال أبو أحمد الحاكم: "يروي عن قوم ضعاف، حديثه ليس بالقائم"، ولخصَّ حاله الحافظ فقال: "صدوق أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل فضعف بسبب ذلك، حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين"([4])، هذا زيادة على أن الإسناد إليه لا يخلو من ضعف.
وبذلك لا يثبت ذكر زيد بن أبي أنيسة في هذا الحديث بين سابق البربري، والعلاء، مع العلم أن هذا الحديث يروى من طرق عن زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، عن أبيه مرفوعًا([5])، بنفس لفظ رواية عثمان الطرائفي، عن سابـق: (خير ما يخلـف الرجـل بعـده ثلاثــة...)، فكـأن الراوي -سواء كان الطرائفي أو من دونه- عنده حديث أبي قتادة عن غير سابق، فدخل عليه حديث في حديث.
وأما مسلم بن خالد الزنجي؛ فقد اختلف عليه في قوله: (علم ينتفع به)، فرواه عنه بهذا اللفظ أحمد بن محمد بن عون القواس، وخالفه عبد الصمد بن النعمان البغدادي البزاز فرواه عنه بلفظ: (عمل صالح ينفع)، والزنجي، والقواس، وعبد الصمد، ثلاثتهم متكلم فيهم، فأما الزنجي فضعفه ابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم، ووثقه ابن معين، وقال الدارقطني: ثقة إلا أنه سيء الحفظ؛ ولذا لخص حاله ابن حجر بقوله: صدوق كثير الأوهام([6]).
وأما أحمد بن محمد القواس فذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف، وقال فيه ابن حجر: صدوق له أوهام([7])، وأما عبد الصمد بن النعمان، فوثقه ابن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، وقال النسائي، والدارقطني: ليس بالقوي([8])، وبذلك تكون هذه اللفظة: (عمل صالح ينفع) منكرة لا تثبت، سواء كان الواهم فيها مسلم الزنجي، أو من دونه؛ لمخالفته الثابت عن العلاء بن عبد الرحمن.
وأما العلاء بن عبد الرحمن؛ فقد اختلف عليه في متن الحديث، حيث رواه عنه سابق البربري بلفظ: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة، أو علم ينتفع به...)، هكذا بدون تقييد الصدقة بالجارية كما في رواية الجماعة عن العلاء بن عبد الرحمن، وهذا قيد هام في تحصيل الفضل من دوام الثواب بعد الموت، قال ابن الأثير: " (صدقة جارية) أي دارة متصلة، كالوقوف المرصدة لأبواب البر"([9])، وقال ابن كثير: "قال الأئمة: والصدقة الجارية هي الوقف المستمر"([10])، وقال ابن رسلان: " (من صدقة جارية) أي: يجري عليه أجره بعد موته، وهي: الوقف، وفيه دليل على صحة أصله، وعظم ثوابه المستمر، وفيه حجة على من أنكر الوقف من الكوفيين؛ لأن الصدقة الجارية إنما تكون بعد الموت بالوقف"([11])، ولا تثبت هذه اللفظة -أي الصدقة بدون وصفها بالجارية- فراويها وهو أبو سعيد سابق البربري الرقي -إضافة إلى مخالفته لرواية الجماعة عن العلاء- قال فيه ابن حبان: يغرب ويهم، وفرَّق بعض أهل العلم بين البربري والرقي، وأيًّا كان هو فليس فيهما توثيق من معتبر([12]).
وللحديث عن أبي هريرة ثلاثة طرق أخرى خارج الصحيح، وهي:
الطريق الأول: أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة بلفظ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته).
يرويه: الوليد بن مسلم، عن مرزوق بن أبي الهذيل، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي عبد الله الأغر.
وهذا إسناد ضعيف؛ مرزوق بن أبي الهذيل قال أبو حاتم: "سمعت دحيمًا يقول: هو صحيح الحديث عن الزهري"، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديثه صالح، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثقة، وقال البخاري: يعرف وينكر، وقال ابن عدي: "ما أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم، وأحاديثه يحمل بعضها بعضًا، ويكتب حديثه"، وقال ابن حبان: "يتفرد عن الزهري بالمناكير التي لا أصول لها، فكثر وهمه، فسقط الاحتجاج بما انفرد به"، وذكره العقيلي في الضعفاء، وذكر حديثًا خولف في سنده، وقال الآجري: "سألت أبا داود عنه، فكره الجواب فيه"، ولخصَّ حاله الحافظ فقال: لين الحديث([13])، ولعل هذا الحديث أحد الأحاديث التي أشار لها ابن حبان، فالزهري إمام مشهور له أصحاب كثيرون، لا يحتمل أن يتفرد عنه أمثال مرزوق، زيادة على أن الحديث بهذا السياق لا يعرف عن أبي هريرة من غير طريقه هذا.
الطريق الثاني: سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
يرويه: أبو بكر عبيد الله بن محمد العمري، عن أبي عبد الله محمد بن عبيد الله العمري الساكت، عن إبراهيم بن صرمة الأنصاري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن المسيب.
قال الدارقطني: "تفرد به أبو عبيد الله محمد بن عبيد الله العمري، والمعروف بالساكت، عن إبراهيم بن صرمة عن يحيى، عنه".
وهذا إسناد غاية في الضعف، فأبو بكر عبيد الله بن محمد العمري، رماه النسائي بالكذب، وضعفه الدارقطني([14])، وأما إبراهيم بن صرمة، فقال ابن معين: كذاب خبيث، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال العقيلي: "يحدث عن يحيى بن سعيد بأحاديث ليست بمحفوظة من حديث يحيى، فيها شيء يحفظ من حديث ابن الهاد، وفيها مناكير، وليس ممن يضبط الحديث"، وقال ابن عدي: "ولإبراهيم بن صرمة أحاديث عن يحيى بن سعيد، وعن غيره، وعامة أحاديثه إما أن تكون منكر المتن، أو تنقلب عليه الأسانيد، وبين على أحاديثه ضعفه"، وضعفه الدارقطني، وغيره([15]).
الطريق الثالث: أبو سعيد مولى المهري، عن أبي هريرة بلفظ: (ثلاث تنال المؤمن بعد وفاته: الولد الصالح يدعو له بعد وفاته، فيناله أجر دعائه والرجل يترك الصدقة في الموضع الصالح فتنفذ لوجهها، والرجل يعلم العلم الصالح فينتهى به عن المعاصي).
ويرويه عن أبي سعيد مولى المهري: يزيد بن أبي خصيفة، وعمران بن أبي أنس.
وهذا الطريق ذكره ابن عبد البر معلقًا بغير إسناد، وأبو سعيد مولى المهري، ذكره العجلي، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان في الثقات، وأخرج له مسلم، وقال ابن حجر: مقبول([16])، يعني: عند المتابعة وإلا فلين؛ كما نصَّ هو على ذلك، ولم أقف على الحديث بهذا السياق عند غيره.
![]()