حجم الخط:

الحكم على الحديث:

للحديث عن أنس بن مالك سبعة طرق.

الطريق الأول: سعيد بن أبي سعيد، عن أنس بن مالك.

ويرويه عن سعيد: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.

وقد اختلف على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر في إسناد الحديث، وفي تمييز شيخه سعيد بن أبي سعيد.

فأما الإسناد؛ فرُوي عنه على أربعة أوجه:

الوجه الأول: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أنس.

وهو رواية: محمد بن شعيب بن شابور، وعمر بن عبد الواحد فيما يرويه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ومحمود بن خالد، وداود بن شيد، وسليمان بن أحمد الواسطي.

الوجه الثاني: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، عمن حدثه عن أنس.

وهو رواية: عمر بن عبد الواحد فيما يرويه الوليد بن عتبة الأشجعي.

الوجه الثالث: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، عمن سمع النبي .

وهو رواية: عبد الله بن المبارك، والوليد بن مزيد.

الوجه الرابع: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن جدته، عن بعض أصحاب النبي .

وهو رواية: الوليد بن مسلم.

ومن خلال هذا العرض يتبين أن أحد الرواة عن عبد الرحمن بن يزيد قد اختلف عليه كذلك، وهو: عمر بن عبد الواحد، فروي عنه الحديث على الوجهين: الأول والثاني، والراجح عنه رواية الحديث على الوجه الأول؛ لكثرة رواته، وجلهم ثقات أثبات.

وبهذا يصبح الاختلاف على ابن جابر محصورًا في ثلاثة أوجه: الأول والثالث والرابع، ويمكن ترجيح الوجه الثالث على غيره؛ وذلك لكونه من رواية ثقتين حافظين: ابن المبارك، والوليد بن مزيد، وهو ما رجحه الدارقطني، وقد أبهما الصحابي، إلا أن الوليد ميَّزه بأنه من أهل المدينة، ويمكن الجمع بين ما روياه وبين رواية أصحاب الوجه الأول بأن الصحابي هو أنس بن مالك، وهو مدني، والذي سماه ثقتان: عمر بن عبد الواحد، وابن شابور، وعلى أية حال فإن إبهام الصحابي لا يضر كما هو معروف عند أهل الاصطلاح.

أما الوجه الرابع؛ فقد علَّقه الدارقطني عن الوليد بن مسلم، ولم أقف على من أسنده، وهو وجه شاذ لمخالفته رواية الجماعة، وقد لا يثبت عن الوليد.

أما الاختلاف على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر في تمييز شيخه، فعلى ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: سعيد بن أبي سعيد مهملًا غير منسوب.

وهو رواية: عبد الله بن المبارك.

وعمر بن عبد الواحد فيما يرويه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، والوليد بن عتبة الأشجعي، ومحمود بن خالد، وداود بن رشيد، غير أن رواية سليمان بن عبد الرحمن، والوليد بن عتبة بزيادة: (ونحن ببيروت).

ومحمد بن شعيب بن شابور فيما يرويه عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي، وهشام بن عمار في رواية ابن ماجه، وأبي معين الرازي، وأحمد بن أنس بن مالك، والحسن بن سفيان، وأبي بكر بن أبي عاصم.

الوجه الثاني: سعيد بن أبي سعيد المقبري.

وهو رواية: عمر بن عبد الواحد فيما يرويه سليمان بن أحمد الواسطي.

ومحمد بن شعيب فيما يرويه هشام بن عمار في رواية أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ومحمد بن سليمان الباغندي([1]).

الوجه الثالث: سعيد بن أبي سعيد شيخ بالساحل.

وهو رواية: الوليد بن مزيد.

ومن خلال هذا العرض يتبين أن راويين عن عبد الرحمن بن يزيد قد اختلف عليهما كذلك، وهما: عمر بن عبد الواحد، ومحمد بن شعيب بن شابور.

فأما عمر بن عبد الواحد؛ فروي الحديث عنه على الوجهين الأول والثاني، والراجح عنه هو الوجه الأول؛ لكثرة رواته، ولعدم ثبوت الوجه الثاني عن عمر بن الواحد؛ فقد جاء من رواية سليمان بن أحمد الواسطي وهو متهم، كذبه ابن معين، وضعفه البخاري، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، وغيرهم([2]).

وأما محمد بن شعيب بن شابور؛ فأصل الاختلاف على الراوي عنه، وهو هشام بن عمار، فقد روي عنه الحديث على الوجهين الأول والثاني، والراجح عن هشام هو الوجه الأول كذلك؛ لكثرة رواته، وجلهم من الأئمة الثقات الأثبات، وهو الموافق لرواية دحيم، عن ابن شابور.

وأما الوجه الثاني فرواه اثنان أحدهما ثقة، وهو البرقي، والآخر الباغندي؛ متكلم فيه؛ فإنه يدلس تدليسًا قبيحًا فيسقط غير واحد، ويصرح بالتحديث عمن لم يسمع منه؛ لذا رماه بعضهم بالكذب، ودافع عنه كثير من أهل العلم، ونفوا ذلك عنه، وذكروا أن ما وقع فيه من التصريح بالتحديث عمن لم يسمع منه، إنما حمله على ذلك الشره على أن يقول: حدثنا([3]).

لذا فإن تمييز سعيد بالمقبري لا يثبت بحال، لا عن عمر بن عبد الواحد، ولا عن ابن شابور، وقد اغتر بهذا التمييز جماعة من أهل العلم، منهم: ابن عساكر؛ فقد قال متعقبًا الخطيب: "فرق الخطيب أبو بكر في المتفق والمفترق بين المقبري وبين سعيد بن أبي سعيد الذي حدث ببيروت، ووهم في ذلك".

وقال بذلك أيضًا الضياء المقدسي، والمزي -تبعًا لابن عساكر-، وتعقبه ابن عبد الهادي، فقال: "وحديث سعيد، عن أنس: رواه الدارقطني من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عنه، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب، عن عبد الرحمن بن يزيد، وقد ذكره ابن عساكر، وشيخنا في الأطراف في ترجمة سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أنس، وإنما هو الساحلي، وهو غير محتج به، كذلك رواه الوليد بن مزيد البيروتي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، شيخ بالساحل، قال: حدثني رجل من أهل المدينة، قال: إني لتحت رسول الله... فذكر الحديث"([4]).

وقال ابن حجر: "وذكر الحافظ سعد الدين الحارثي، أن ابن عساكر لم يصب في توهيم الخطيب، وصدق الحارثي، قد جاء في كثير من الروايات: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد الساحلي، عن أنس، والرواية التي وقعت لابن عساكر وفيها: عن ابن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ كأنها وهم من أحد الرواة، وهو: سليمان بن أحمد الواسطي، فإنه ضعيف جدًّا، وأن المقبري لم يقل أحد أنه يدعى الساحلي، وهذا الساحلي غير معروف، تفرد عنه ابن جابر"([5]).

وقال في موضع آخر: "رجاله رجال الصحيح إلا سعيد بن أبي سعيد، فاختلف فيه، فقيل: هو المقبري، فلو ثبت هذا لكان الحديث على شرط الصحيح، لكن الأكثر على أنه شيخ مجهول من أهل بيروت، وقد وقع في بعض طرقه: عن ابن جابر، حدثني شيخ بالساحل يقال له: سعيد بن أبي سعيد، والمقبري لا يقال فيه مثل هذا لشهرته"([6]).

وإذا علم هذا يمكن رفع التعارض بين الوجهين الأول والثالثأ على اعتبار أن ما جاء به الوليد بن مزيد صاحب الوجه الثالث زيادة علم، لا تخالف الوجه الأول، لا سيما وأنه جاء في بعض طرق الوجه الأول زيادة: (حدثني سعيد بن أبي سعيد ونحن ببيروت) فبالنظر إلى هذه الإفادة مع كون الإسناد شامي، يتبين أن المقصود بالساحل ساحل بيروت، وقد لخصَّ حاله الحافظ فقال: "سعيد بن أبي سعيد البيروتي الساحلي مجهول، وهَّم ابنُ عساكر الخطيبَ؛ لكونه فرق بين هذا والمقبري، والصواب مع الخطيب".

فعلى ما سبق يتبين أن راوي حديثنا هذا هو البيروتي وليس المقبري، وعليه يبقى الحديث ضعيفًا من هذه الطريق؛ لجهالة حال البيروتي([7]).

الطريق الثاني: عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن أنس مرفوعًا بلفظ: (من تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل الله منه صرفًا، ولا عدلًا).

يرويه: بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الله بن مسلم.

ورجال إسناده ثقات، عدا عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث القرشي، فهو مختلف فيه، وثقه قوم، وضعفه آخرون، وقد نصَّ غير واحد على وجود مناكير في حديثه لا يتابع عليها، فقال الإمام أحمد: "روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة"، وقال البخاري: "ليس ممن يعتمد على حفظه، إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض"، وقال ابن عدي: "في حديثه بعض ما ينكر، ولا يتابع عليه"([8]).

الطريق الثالث: يحيى بن أبي كثير، عن أنس مرفوعًا بلفظ: (من تولى غير مواليه فقد كفر)، وفي لفظ: (من تولى غير ولي نعمته، فقد كفر بما أنزل على محمد ).

يرويه: أبو عبيدة عبيس بن ميمون، عن يحيى.

وإسناده ضعيف جدًّا، تفرد به عبيس بن ميمون كما قال ابن عدي، وأبو نعيم الأصبهاني، وهو متروك الحديث([9])، ولعله من أجله استغربه أبو نعيم فقال: "غريب من حديث يحيى، لم نكتبه إلا من حديث وهب، عن عبيس".

الطريق الرابع: ثابت بن أسلم البناني، عن أنس.

ويرويه عن ثابت: رزق الله بن الأسود القرشي، وحسان بن سياه.

وهما ضعيفان، فأما رزق الله بن الأسود، فقال العقيلي -حيث ذكر هذا الحديث في ترجمته-: "حديثه منكر... وليس هذا الحديث بمحفوظ من حديث ثابت إلا عن هذا الشيخ، والحديث قد رواه عن النبي ڠ جماعة من أصحابه بأسانيد جياد".

وأما حسان بن سياه؛ فضعفه ابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، وقال أبو نعيم: "ضعيف روى عن ثابت مناكير"([10])، وقد استنكر ابن عدي عليه هذا الحديث حيث قال: "وهذه أحاديث عن ثابت، عن أنس عامتها لا يرويها عن ثابت غير حسان بن سياه... وحسان بن سياه له أحاديث غير ما ذكرته، وعامتها لا يتابعه غيره عليه، والضعف يتبين على رواياته وحديثه".

الطريق الخامس: شبيب بن بشر البجلي، عن أنس مرفوعًا بلفظ: (ملعون ملعون من ادعى إلى غير أبيه، ملعون ملعون ملعون من ادعى إلى غير مواليه، ملعون ملعون من أتى بهيمة، ملعون ملعون من غير منار الأرض).

وشبيب بن بشر مختلف فيه، وثقه ابن معين، ولينه أبو حاتم الرازي، وقال ابن حبان: يخطئ كثيرًا([11]).

وقد سُئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث منكر".

الطريق السادس: يحيى بن سعيد، عن أنس.

يرويه: أبو سعيد عبد الله بن شبيب الربعي، عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي، عن شعيب بن بكر، عن يحيي بن سعيد.

وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ أما عبد الله بن شبيب الربعي، فمتهم([12])، وقد تفرد به كما قال ابن عدي، واستنكر عليه هذا الحديث، فقال: "وهذا الحديث لا أعلم رواه بهذا الإسناد غير عبد الله بن شبيب... ولعبد الله بن شبيب غير ما ذكرت من الأحاديث التي أنكرت عليه كثير".

وأما عبد الجبار بن سعيد فقال فيه العقيلي: "في حديثه مناكير، وما لا يتابع عليه"([13]).

الطريق السابع: الزهري، عن أنس.

يرويه: أحمد بن كعب بن خريم، عن أبيه، عن سليمان بن سالم الحراني الأموي، هو ابن أبي داود، عن الزهري.

وهو منكر عن الزهري؛ فالراوي عنه وهو سليمان بن أبي داود ضعيف منكر الحديث([14])، وبه أعله ابن حجر([15]).

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة