حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث يرويه زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.

ويرويه عن زيد بن أبي أنيسة: أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد الحراني، ويزيد بن سنان الرهاوي.

ويرويه عن أبي عبد الرحيم: محمد بن سلمة الحراني.

وقد اختلف على محمد بن سلمة في إسناد هذا الحديث، فرُوي عنه على وجهين:

الوجه الأول: محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد الحراني، عن زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.

وهو رواية: إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني.

الوجه الثاني: محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد الحراني، عن زيد بن أبي أنيسة، عن فليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.

وهو رواية: أبي المعافى محمد بن وهب بن أبي كريمة.

فأبو المعافى زاد بين الزيدين: فليح بن سليمان.

وإسماعيل بن عبيد، وثَّقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال أبو بكر الجعابي: "يحدث عن محمد بن سلمة بعجائب"([1]).

وأمَّا أبو المعافى محمد بن وهب الحراني، فقال عنه النسائي: لا بأس به، وقال مرَّة: صالح، وقال مسلمة بن قاسم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات([2]).

فالظاهر من حال الرجلين أنها متقاربة، ومع هذا فالأرجح عن محمد بن سلمة: رواية محمد بن وهب بالوجه الثاني؛ لأنه زاد في الإسناد رجلًا، مما يدلُّ على حفظه وضبطه له؛ قال الطبراني: "لم يروه عن زيد بن أسلم إلا فليح، ولا رواه عن فليح إلا زيد بن أبي أنيسة، ولا رواه عن زيد إلا أبو عبد الرحيم، ولم يروه مجودًا إلا أبو المعافى، ولا يُروى عن أبي قتادة إلا من هذا الوجه".

فرواه أبو المعافى عن محمد بن سلمة مجودًا، وقد رواه هكذا أيضًا يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة.

وقد قال الدارقطني: "رواه أبو عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وخالفه يزيد بن سنان، فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، عن فليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم. وقول يزيد بن سنان أصحُّ، وإن كان أبو عبد الرحيم ثقة، أثبت منه"([3]).

فالدارقطني لم يذكر هنا عن أبي عبد الرحيم الحراني سوى الوجه الأول بدون ذكر فليح، في مقابل رواية يزيد بن سنان بزيادته، وأبو عبد الرحيم ثقة([4])، ويزيد بن سنان ضعيف([5])، ومع هذا فقد رجَّح رواية يزيد؛ لأنه زاد في الإسناد رجلًا، ولهذا نظائر كثيرة عن الأئمة، يرجحون غالبًا من زاد رجلًا على هذا النحو، وإن كان دون من نقصه مرتبة.

وزيد بن أبي أنيسة لا يُعرف له سماع من زيد بن أسلم، ولم أقف له على رواية عن زيد بن أسلم في غير هذا الحديث، وقد سُئل الإمام أحمد: سمع زيد بن أبي أنيسة من زيد بن أسلم؟ قال: "ما أدري"([6])، ولعل هذا مما يؤكد أرجحية رواية من أدخل فليحًا واسطة بينهما.

وهذا الحديث غريبٌ، استغربه غيرُ واحد من الأئمة؛ فقد سُئل عنه الإمام أحمد فقال: "زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، ما أغرب هذا من حديث!"([7]).

وقال الطبراني: "لم يروه عن زيد بن أسلم إلا فليح بن سليمان، تفرَّد به زيد بن أبي أنيسة، ولا يُروى عن أبي قتادة الحارث بن ربعي إلا بهذا الإسناد".

وقال الدارقطني: "غريب من حديث زيد بن أسلم، عن عبد الله، عن أبيه، تفرَّد به فليح بن سليمان، وهو غريبٌ من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن فليح، تفرَّد به يزيد بن سنان أبو فروة".

هكذا قال الدارقطني، ولم يتفرَّد به يزيد بن سنان، بل رواه هكذا أيضًا محمد بن وهب، عن محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة؛ كما تقدَّم.

وفليح بن سليمان المدني مختلفٌ فيه، وثقه جماعة، والأكثرون على تضعيفه؛ ومن ذلك: قال ابن معين: ليس بقوي، ولا يحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال أبو داود: لا يحتج بفليح، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي، وقال الساجي: يهم، وإن كان من أهل الصدق، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال الدارقطني: يختلفون فيه، وليس به بأس، وقال أبو يعلى الخليلي: أخرج أحاديثه البخاري في الصحيح وأكثر عنه، وتكلَّم فيه غير البخاري من الحفاظ، ولخصَّ حاله الحافظ ابن حجر بقوله: صدوق كثير الخطأ([8]).

فمن هذه حالُه؛ لا يحتمل تفرده، خاصة مع استغراب الأئمة لحديثه هذا، والله أعلم.

Adobe Systems


 

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة