حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث يرويه نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر.

ويرويه عن نافع: عبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، وأشعث بن سوار الكندي، وخالد بن إلياس العدوي.

وقد اختلف على عبيد الله بن عمر في وقفه ورفعه، كما اختلف على أيوب في متنه ووقفه ورفعه.

فأما عبيد الله بن عمر فعلقه عنه الدارقطني وغيره موقوفا، واشتهر الحديث عن عبيد الله برواية علي بن ظبيان، واختلف عليه، فرواه عنه الجماعة مرفوعًا، وهم: ابن أبي عمر العدني، ويحيى بن معين، ومحمد بن قدامة المصيصي، وخالد بن خداش، ومحمد بن قدامة الجوهري، ومحمد بن سعيد ابن الأصبهاني، وعلي بن مسلم الطوسي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والوليد بن شجاع السكوني، وعبد الرحمن بن يونس، ومحمد بن بكر بن خالد القصير، وأبو كريب محمد بن العلاء، وعبيد بن هشام الحلبي، وجبارة بن المغلس، وبركة بن محمد الحلبي، وسفيان بن وكيع، وعلي بن سلمة اللبقي، وداود بن رشيد، وعلي بن المديني، بينما رواه الشافعي عنه موقوفًا.

والصحيح: أن الحديث عن عبيد الله موقوف، وأن علي بن ظبيان أخطأ في رفعه، فهو متروك الحديث([1])، وقد تتابعت أقوال الأئمة على بطلانه ونكارته مرفوعًا:

قال الشافعي: "قال علي بن ظبيان: كنت أحدثه([2]) مرفوعًا، فقال لي أصحابي: ليس بمرفوع هو موقوف على ابن عمر، فوقفته، والحفاظ الذين يحدثونه يقفونه على ابن عمر".

وقال ابن محرز: "وسألت يحيى بن معين عن ابن ظبيان مرة أخرى؟ فقال: قد سمعت منه بالكوفة، وهو كوفي، كان قاضي الشرقية، فقلت له: يحدث بحديث منكر، فقال: ما هو؟ قلت: عن عبيد الله، فقال: نعم، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي : (المدبر من الثلث)، قد سمعته منه، قلت: حدثكم به؟ قال: نعم، سمعته منه، وليس هو بشيء".

وقال عبد الله بن علي بن المديني: "سمعت أبي يقول: كان علي بن ظبيان حدثنا بثلاثة أحاديث مناكير كلها، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: (المدبر من الثلث)،... فسمعت معاذًا يذكره، وقال ليحيى: إنه من أصحاب الحديث وإنه، فنظر إليَّ يحيى، فقال: هذا يروي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، يبلغ به: (المدبر من الثلث)، فانتفض يحيى حتى سقطت قلنسوته من رأسه، فقال معاذ: يا أبا سعيد، وأنت لم تسمع هذا من عبيد الله، فنظر إلي يحيى وغمزني، أي: لا يبصر الحديث"([3]).

وقال عثمان بن أبي شيبة: "هذا خطأ"([4]).

وقال أبو زرعة: "هذا حديث باطل"، وامتنع من قراءته([5]).

وقال ابن ماجه: "ليس له أصل".

وقال الطحاوي: "هذا أخطأ فيه علي بن ظبيان، وإنما أصله موقوف على ابن عمر "([6]).

وساقه العقيلي في ترجمة علي بن ظبيان، وقال: "لا يعرف إلا به".

وقال ابن عدي: "هذان الحديثان عن علي بن ظبيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ حديث المدبر، والتيمم، جميعًا يرفعهما علي بن ظبيان، ويوقفهما غيره، وحديث التيمم رواه يحيى القطان، والثوري وغيرهما موقوفًا، وإنما يُذكر علي بن ظبيان بهذين الحديثين لما رفعهما، فأبطل في رفعهما، والثقات قد أوقفوهما".

وقال الدارقطني: "تفرد به علي بن ظبيان القاضي عنه مرفوعًا"([7])، وقال أيضًا: "وغيره يرويه عن عبيد الله موقوفًا... والموقوف أصح"([8]).

وظاهر كلام الدارقطني وغيره أن هناك من رواه عن عبيد الله بن عمر موقوفًا، إلا أننا لم نقف إلا على رواية علي بن ظبيان عنه، وقد قال ابن شاهين: "تفرد بهذا الحديث علي بن ظبيان عن عبيد الله، لم يحدث به غيره"([9])، وكلام ابن شاهين محتمل أيضًا لمطلق الرواية، أو لم يحدث به غيره مرفوعًا، وهو الأقرب، فالله أعلم.

وقال البيهقي: "وكذلك رواه عثمان بن أبي شيبة، وعلي بن مسلم، وسفيان بن وكيع وغيرهم، عن علي بن ظبيان مرفوعًا، والصحيح موقوف كما رواه الشافعي $ ".

وقال أيضًا: "رفعه علي بن ظبيان، وهو خطأ"([10]).

وقال ابن عبد البر: "هذا خطأ من علي بن ظبيان، لم يتابع عليه، وإنما يرويه غيره عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قوله، و([11]) علي بن ظبيان كان قاضيًا ببغداد، تركوه لهذا الحديث وشبهه، فهو عندهم متروك الحديث"([12]).

ولذا فقد قال ابن الملقن: "وقد اتفق الحفاظ على تصحيح رواية الوقف، وتضعيف رواية الرفع"([13]).

وقد رجع علي بن ظبيان عن رفع الحديث ورواه موقوفًا، لما راجعه أصحابه وبينوا له أنه موقوف؛ كما تقدَّم في كلام الشافعي.

وأما أيوب السختياني؛ فقد روي الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا بلفظ: (أنه كره بيع المدبر).

وهو رواية: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد.

الوجه الثاني: أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: (المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث).

وهو رواية: عبيدة بن حسان السنجاري.

والصحيح عنه: رواية الحديث على الوجه الأول موقوفًا؛ فهو رواية حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وحماد بن زيد من أثبت الناس في أيوب([14])، أما الوجه الثاني؛ فتفرد به عبيدة بن حسان وهو ضعيف، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، وقال الدارقطني: ضعيف([15])، والراوي عنه ابن أخيه عمرو بن عبد الجبار([16])، ذكره العقيلي في الضعفاء، وقال ابن عدي: روى عن عمه مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف([17]).

وقد ساق ابن عدي هذا الحديث وغيره في ترجمة عمرو بن عبد الجبار، وقال: "وهذه الأحاديث التي أمليتها، مع التي لم أذكرها لعمرو بن عبد الجبار كلها غير محفوظة".

وساق الدارقطني الحديث من وجهه الثاني، وقال: "لم يسنده غير عبيدة بن حسان وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر موقوف من قوله"، ثم ساق الحديث من وجهه الأول، وقال: "هذا هو الصحيح، وما قبله لا يثبت مرفوعًا، ورواته ضعفاء".

وقال أيضًا: "ورواه عبيدة بن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ، مرفوعًا، وغيره يرويه موقوفًا، والموقوف أصح"([18]).

وقال البيهقي بعدما ساقه من وجهه الأول: "هذا هو الصحيح، عن ابن عمر من قوله موقوفًا، وقد روي مرفوعًا بإسناد ضعيف".

وقال ابن القطان: "هو من رواية أبي معاوية عمرو بن عبد الجبار الجزري، وهو مجهول الحال، عن عمه عبيدة بن حسان، وهو منكر الحديث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر من قوله، وهو الصحيح؛ لثقة حماد وضعف راويه عمرو بن عبد الجبار"([19]).

وقد رُوي الحديث أيضًا عن أشعث بن سوار، وخالد بن إلياس: عن نافع، موقوفًا على ابن عمر.

والخلاصة أن الحديث لا يصح مرفوعًا عن ابن عمر، وإنما الصحيح موقوف عليه بلفظ: (المدبر من الثلث)، وبلفظ: (أنه كره بيع المدبر).

 

Adobe Systems


 

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة