الحديث يرويه شريح القاضي مرسلًا.
وقد اختلف على شريح في هذا الحديث، فرُوي عنه على وجهين:
الوجه الأول: مرسلًا بلفظ: (جاء محمد ﷺ ببيع الحبس).
وهو رواية: أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي.
الوجه الثاني: موقوفًا عليه بلفظ: (لا حبس عن فرائض الله).
وهو رواية: عطاء بن السائب.
وكلا الوجهين ثابت عن شريح، فعطاء بن السائب وإن كان قد اختلط، إلا أنه رواه عنه زهير بن معاوية، وحماد بن زيد وغيرهما، وقد رويا عنه قبل الاختلاط([1]).
إلا أن الوجه الأول نسبه للنبي ﷺ، قال ابن حزم: "هذا منقطعٌ، بل الصَّحيح خلافه، وهو أن محمدًا ﷺ جاء بإثبات الحبس نصًّا... "، يعني: حديث ابن عمر في الصحيحين في وقف عمر لأرض خيبر، وقول النبي له: (إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها)([2]).
والذي يظهر أن الوجه الأول استنباط واجتهاد من شريح؛ قال الشافعي: "اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلما في الوقوف وما يحبسه الناس، فقال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس، فقال مالك: إنما جاء محمد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة، فأمَّا الوقوف فهذا وقف عمر بن الخطاب حيث استأذن النبي ﷺ فقال: (حبس أصلها، وسبل ثمرتها)، وهذا وقف الزبير، فأعجب الخليفة ذلك منه، وبقي يعقوب"([3]).
وقال أبو بكر الخلال: "أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، أنه سأل أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: أيش معنى قول شريح: جاء محمد ﷺ ببيع الحبس؟ قال لي: لأنه لم يكن يرى هذه الحبس يعني: الوقوف، وأن ذاك كان في الجاهلية: { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ } [المائدة:103]"([4])، والله أعلم.
![]()