للحديث عن عائشة أربعة طرق:
الطريق الأول: أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة.
ويرويه عن أبي سلمة: محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وأبو حازم سلمة بن دينار، والوازع بن نافع، ومحمد بن طحلاء.
فأما محمد بن عمرو؛ فيرويه عنه: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وعلي بن مسهر، ويزيد بن هارون، وعبدة بن سليمان، وإسماعيل بن جعفر، وسعيد بن يحيى اللخمي، ومسعود بن واصل، ويزيد بن زريع.
وقد اختلف في متنه على محمد بن عمرو، وفي إسناده على تلميذه عبدة بن سليمان.
فأما عبدة؛ فيرويه عنه: هناد بن السري، وأبو كريب محمد بن العلاء، وقد جعله أبو كريب من مسند أبي هريرة، والصحيح جعله من مسند عائشة كما هي رواية هناد، وأبو كريب ثقة([1])، لكن لعلَّه أخطأ أو من دونه، فلزم فيه الجادة، وجعله عن أبي هريرة، وقد رواه سائر الرواة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة.
وأما محمد بن عمرو؛ فرواه عنه سفيان بن عيينة بلفظ: (أن ذهبًا كانت أتت النبي ﷺ فتعار من الليل، وهي أكثر من السبعة، وأقل من التسعة، فلم يصبح حتى قسمها، ثم قال: ما ظن محمد بربه لو مات وهذه عنده؟) هكذا رواه مختصرا، بينما رواه عنه الجماعة: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وعلي بن مسهر، ويزيد بن هارون، وغيرهم، بلفظ: (قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما فعلت الذهب؟ فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية، أو تسعة، فجعل يقلبها بيده ويقول: ما ظن محمد بالله ۵ لو لقيه وهذه عنده؟ أنفقيها)، فنصُّوا على أن ذلك كان في مرض موته ﷺ، وهذا هو الصحيح، إلا أنهم اختلفوا في عدد الذهب، فقيل: (ما بين السبعة والخمسة)، وقيل: (ما بين الخمسة إلى التسعة)، وقيل: غير ذلك، وهذا يدل على أن محمد بن عمرو لم يضبط العدد، والأصح أنها سبعة أو تسعة؛ كما في حديث أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي سلمة، والله أعلم.
ومحمد بن عمرو صدوق متكلمٌ في حفظه، قال فيه يحيى القطان: "وأما محمد بن عمرو فرجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث"، وقال ابن سعد: "كان كثير الحديث، يُستضعف"، وقال ابن معين: "ما زال الناس يتقون حديثه"، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: "كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبى هريرة"، وقال أحمد: "وهو مضطرب الحديث"، وقال الجوزجاني: "ليس بقوي الحديث، ويُشتهى حديثه"، وقال يعقوب بن شيبة: "هو وسط، وإلى الضعف ما هو"، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ"([2])، إلا أنه لم ينفرد به عن أبي سلمة، بل رواه أبو حازم وغيره.
وأما محمد بن إبراهيم التيمي؛ فيروي حديثه: محمد بن عمر الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه محمد، وهذا إسناد واه؛ الواقدي متروك، ورُمي بالكذب([3])، وموسى بن محمد التيمي منكر الحديث([4]).
وأما أبو حازم، فاختلف عليه في إسناده ومتنه، فروي عنه على وجهين:
الوجه الأول: أبو حازم، عن سهل بن سعد الساعدي بلفظ: (كانت عند رسول الله ﷺ سبعة دنانير وضعها عند عائشة، فلما كان في مرضه قال لعائشة: ابعثي بالذهب إلى علي، وأغمي عليه ﷺ، وشغل عائشة ما به، قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يغمى على رسول الله ﷺ، ويشغل عائشة ما به، فبعث إلى علي فتصدق بها، وأمسى رسول الله ﷺ ليلة الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة بمصباحها إلى امرأة من النساء، فقالت لها: قطري في مصباحنا من عكتك السمن؛ فإن رسول الله أمسى في جديد الموت).
وهو رواية: يعقوب بن عبد الرحمن القاري.
الوجه الثاني: أبو حازم، عن أبي سلمة، عن عائشة بلفظ: (أمرني نبي الله ﷺ أن أتصدق بذهب كانت عندها في مرضه، قالت: فأفاق، فقال: ما فعلت؟ قالت: لقد شغلني ما رأيت منك، قال: فهلميها، قال: فجاءت بها إليه سبعة، أو تسعة دنانير، فقال حين جاءت بها: ما ظن محمد أن لو لقي الله ۵ وهذه عنده؟ وما تبقي هذه من محمد لو لقي الله ۵ وهذه عنده؟)، أو بنحوه.
وهو رواية: يحيى بن أيوب الغافقي، وأبي غسان محمد بن مطرف، ومحمد بن عجلان.
والصحيح: الوجه الثاني؛ فهو رواية الأكثر، والذي يظهر أن يعقوب بن عبد الرحمن أخطأ فيه ولزم الجادة، فإن أبا حازم عن سهل طريق معروفة، يسرع الوهم في لزومها.
ورواية يعقوب فيها: (فبعث إلى علي فتصدق بها)، والمعروف أنه أمر عائشة بالتصدق بها، وأيضًا زاد: (وأمسى رسول الله ﷺ ليلة الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة بمصباحها إلى امرأة من النساء، فقالت لها: قطري في مصباحنا من عكتك السمن؛ فإن رسول الله أمسى في جديد الموت)، ولم يذكر ذلك غيره، والله أعلم.
وأما الوازع بن نافع؛ فمتروك الحديث، وقال الحاكم وغيره: "روى أحاديث موضوعة"([5]).
وأما محمد بن طحلاء؛ فقال فيه أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات([6])، إلا أنه يرويه عنه عبد العزيز بن محمد الدراوردي وهو صدوق، يخطئ إذا حدث من حفظه([7])، والإسناد إليه ليس بذاك.
الطريق الثاني: محمد بن عبد الله القاري أو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة.
يرويه: يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبيه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري، عن أبيه أو عبيد الله بن عبد الله.
وهذا الطريق لا يثبت؛ للشك في شيخ عبد الرحمن بن محمد القاري، هل أبوه محمد بن عبد الله القاري وهو مجهول الحال، ترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكراه بجرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في الثقات([8])، أم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو ثقة ثبت([9])؟
الطريق الثالث: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عائشة.
يرويه: إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، عن ابن أبي مليكة.
وهذا الطريق لا يصح؛ إسماعيل بن أبي الصفيراء ضعيف([10]).
الطريق الرابع: أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن عائشة.
يرويه: موسى بن جبير الأنصاري، عن أبي أمامة بن سهل.
وهذا الطريق ضعيف؛ تفرد به موسى بن جبير، قال فيه البزار: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف، وقال ابن القطان: لا يُعرف حاله([11]).
الخلاصة: لا يصح هذا الحديث إلا من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأن هذا كان في مرض موت النبي ﷺ، والله أعلم.
![]()