حجم الخط:

الحكم على الحديث:

للحديث عن أبي أمامة طريقان:

الطريق الأول: رجل مبهم، عن أبي أمامة.

يرويه: عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عمَّن حدثه، عن أبي أمامة.

وقد اختلف في إسناده ومتنه على ابن لهيعة.

فأمَّا الإسناد؛ فرُوي عنه على وجهين:

الوجه الأول: ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عمَّن حدثه، عن أبي أمامة.

وهو رواية: عبد الله بن المبارك.

الوجه الثاني: ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن أبي أمامة.

وهو رواية: حسن بن موسى الأشيب، وقتيبة بن سعيد.

والرواة عن ابن لهيعة ثقات، والوجهان عنه قويان، فأما الوجه الأول، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن رواية ابن المبارك، وابن وهب، وابن المقرئ، عن ابن لهيعة أعدل وأصح من غيرها.

قال ابن مهدي: "ما أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه".

وقال الإمام أحمد: "سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك".

وقال عمرو بن علي الفلاس: "عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه، فمن كتب عنه قبل ذلك -مثل: ابن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ- أصح من الذين كتبوا بعدما احترقت الكتب، وهو ضعيف الحديث".

وقال أبو زرعة: "سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به".

وقال الدارقطني: "يُعتبر بما يروي عنه العبادلة؛ ابن المبارك، والمقرئ، وابن وهب".

وقال الذهبي: "... وما رواه عنه ابن وهب، والمقرئ، والقدماء، فهو أجود"، وقال الحافظ ابن حجر: "رواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما"([1]).

فعلى هذا فأقوى روايتيه الوجه الأول، وفيه راو مبهم، فهو حديث ضعيفٌ؛ لضعف ابن لهيعة، وللإبهام في إسناده.

وأما الوجه الثاني فأحد الراويين له قتيبة بن سعيد، قال أبو داود: "سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن وهب، وابن أخيه"([2]).

وقال جعفر الفريابي: "سمعت بعض أصحابنا يذكر أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح، فقلت: لأنا كنَّا نكتب من كتاب ابن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة"([3]).

وبكل حال فالوجهان جميعًا ضعيفان؛ لضعف ابن لهيعة، وللإبهام في الوجه الأول، وأما الوجه الثاني فمنقطع بين خالد وأبي أمامة، قال أبو حاتم الرازي: "خالد بن أبي عمران لم يسمع من أبي أمامة"، ثم ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث عقب قول أبيه([4]).

وأمَّا المتن؛ فاختلف عليه فيما يخص العلم، فرواه ابن المبارك، وقتيبة، بلفظ: (ورجلٌ علَّم علمًا فأجره يجري عليه ما عُمل به)، فالأجر يجري للمعلم ما عُمل بهذا العلم، بينما رواه حسن بن موسى الأشيب بلفظ: (ومن علم علمًا أجري له مثل ما علَّم)، فالأجر يجري له على العلم، وهما قريبان.

ورواه الإمام أحمد أيضًا -في موضع آخر- عن حسن بلفظ: (ومن عمل عملًا أجري له مثل ما عمل)، ولا أدري ما وجهه؟ هل هو وهم من أحد الرواة، أو تصحيف قديم؟ وصوابه كالأول: (ومن علم علمًا أجري له مثل ما علَّم)، فالله أعلم.

الطريق الثاني: القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة.

يرويه: يحيى بن أيوب الغافقي، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم.

وهذا سند ضعيف جدًّا؛ فعلي بن يزيد الألهاني، ضعَّفه ابن معين، وأحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، وقال البخاري وأبو نعيم الأصبهاني: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: متروك الحديث، وكذا قال أبو الفتح الأزدي، والدارقطني، وأبو بكر البرقاني، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث، وقال الساجي: "اتفق أهلُ العلم على ضعفه".

وقد نصَّ غيرُ واحد من الأئمة على ضعف روايته عن القاسم، فقال ابن معين: "علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة هي ضعاف كلُّها"، وقال محمد بن إبراهيم الكناني: "قلت لأبي حاتم: ما تقول في أحاديث علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؟ قال: "ليست بالقوية، هي ضعاف"([5]).

وعبيد الله بن زحر، مختلفٌ فيه، والأكثرُ على تضعيفه، وقال فيه ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر: عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على الأحوال أولى"، وتعقَّبه ابن حجر بقوله: "ليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد، وأمَّا الآخران فهما في الأصل صدوقان، وإن كانا يخطئان"([6]).

ويحيى بن أيوب الغافقي متكلمٌ فيه أيضًا؛ وقد ضعَّفه غيرُ واحد من أهل العلم لسوء حفظه؛ قال الإمام أحمد: سيء الحفظ، وقال الساجي: صدوق يهم، كان أحمد يقول: "يحيى ين أيوب يخطئ خطأ كثيرًا"، وقال أبو أحمد الحاكم: "إذا حدَّث من حفظه يخطئ، وما حدَّث من كتاب فليس به بأس"، ولخصَّ حاله الحافظ ابن حجر بقوله: صدوق ربما أخطأ([7]).

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة