حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث يرويه هشام بن عروة، عن أبيه، عن مطيع بن الأسود، عن عمر بن الخطاب.

ويرويه عن هشام: علي بن مسهر، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعبد الله بن مصعب الزبيري، وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وزكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، وأبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني، وحميد بن الأسود.

وقد اختلف في إسناده ومتنه على هشام بن عروة، كما اختلف على أحد الرواة عنه، وهو: عبد الله بن مصعب الزبيري.

فأما عبد الله بن مصعب، فروي عنه الحديث على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: عبد الله بن مصعب، عن هشام بن عروة قال: (أوصى عثمان بن عفان إلى الزبير بن العوام بصدقته حتى يدرك ابنه عمرو بن عثمان، وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، وأوصى إليه مطيع بن الأسود، وأوصى إليه أبو العاص بن الربيع ببنته أمامة من ابنة رسول الله ، فزوجها الزبير علي بن أبي طالب، وأوصى إليه عبد الله بن مسعود، وأوصى إليه المقداد بن عمرو).

وهو رواية: مصعب بن عبد الله الزبيري فيما يرويه الزبير بن بكار.

الوجه الثاني: عبد الله بن مصعب قال: (قال مطيع بن الأسود حين أوصى إلى الزبير فأبى أن يلي تركته، وقال: في قومك من ترضى، فقال: إنك دخلت على عمر وأنا عنده فلما خرجت، قال: نعم ولي تركة المرء المسلم، فقبل الزبير وصيته).

وهو رواية: علي بن صالح المدني فيما يرويه الزبير بن بكار.

الوجه الثالث: عبد الله بن مصعب: (أن عبد الرحمن بن عوف أوصى إلى الزبير بن العوام).

وهو رواية: مصعب بن عبد الله الزبيري، وعلي بن صالح المدني فيما يرويه الزبير بن بكار.

ومن خلال هذا العرض يظهر أن الأوجه كلها ترجع إلى الزبير بن بكار؛ فقد رواها في كتابه نسب قريش عن مصعب بن عبد الله، مرة بذكر هشام مطولًا، ومرة بإسقاطه مقرونًا بعلي بن صالح المدني مقتصرًا على وصية عبد الرحمن بن عوف للزبير، ومرة عن علي بن صالح وحده باللفظ الآخر، وفيه كلام عمر موقوفًا، فالظاهر أن هذا كله من الزبير بن بكار، كان يختصر أحيانا، وجميعها ضعيف؛ للانقطاع الظاهر سواء بذكر هشام أو إسقاطه، كما أن عبد الله بن مصعب الزبيري، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: "شيخ، بابة عبد الرحمن بن أبي الزناد"([1])، وعلي بن صالح المدني مجهول([2]).

وأما هشام بن عروة فروي الحديث عنه على ستة أوجه:

الوجه الأول: هشام، عن أبيه بلفظ: (أوصى عثمان بن عفان إلى الزبير بن العوام، وكذلك ابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، ومطيع بن الأسود، فقال الزبير لمطيع: لا أقبل لك وصية، قال: أنشدك الله، ما أبتغي في ذلك إلا قول عمر، سمعت عمر يقول: قال رسول الله : لو عهدت عهدًا، أو تركت تركة، ما أوصيت إلا إلى الزبير، إن الزبير ركن من أركان الدين).

وهو رواية: علي بن مسهر فيما يرويه زكريا بن عدي.

الوجه الثاني: هشام، عن أبيه، بنحو الوجه السابق إلا أنه وقف آخر الحديث على عمر.

وهو رواية: عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وعلي بن مسهر فيما يرويه عبد الغفار بن عبد الله الموصلي.

وزكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فيما يرويه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك مختصرًا بلفظ: (من عهد منكم إلى الزبير، فإن الزبير عمود من عمد الإسلام).

الوجه الثالث: هشام بلفظ: (أوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب النبي منهم: عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود فكان يحفظ عليهم أموالهم، وينفق على أيتامهم من ماله).

وهو رواية: سفيان بن عيينة فيما يرويه الحميدي، وعبد الجبار بن العلاء.

وعبد الله بن مصعب الزبيري بلفظ: (أوصى عثمان بن عفان إلى الزبير بن العوام بصدقته حتى يدرك ابنه عمرو بن عثمان وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف وأوصى إليه مطيع بن الأسود وأوصى إليه أبو العاص بن الربيع ببنته أمامة من ابنة رسول الله فزوجها الزبير علي بن أبي طالب وأوصى إليه عبد الله بن مسعود وأوصى إليه المقداد بن عمرو).

الوجه الرابع: هشام، عن أبيه بلفظ: (أوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب رسول الله ، منهم: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، فكان ينفق عليهم من ماله، ويحفظ عليهم أموالهم).

وهو رواية: سفيان بن عيينة فيما يرويه يحيى بن معين.

وحفص بن غياث، وأبي مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني في رواية بلفظ: (أن عبد الله بن مسعود أوصى إلى الزبير، وقد كان عثمان حرمه عطاءه سنتين، فأتاه الزبير فقال: إن عياله أحوج إليه من بيت المال، فأعطاه عطاءه عشرين ألفًا، أو خمسة وعشرين ألفًا).

وأبي أسامة حماد بن أسامة بلفظ: (أن عبد الله بن مسعود، وعثمان، والمقداد بن الأسود، وعبد الرحمن بن عوف، ومطيع بن الأسود، أوصوا إلى الزبير بن العوام).

وأبي الأسود حميد بن الأسود بلفظ: (أن عثمان أوصى إلى الزبير).

الوجه الخامس: هشام: (أن مطيع بن الأسود قال: سمعت عمر، يقول: من عهد منكم إلى الزبير، فإن الزبير عمود من عمد الإسلام) لم يذكر عروة.

وهو رواية: زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فيما يرويه محمد بن الحسن بن زبالة.

الوجه السادس: هشام بن عروة، عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب قال: لو عهدت عهدًا أو تركت تركة كان أحبهم إلي الزبير إنه ركن من أركان الدين)، لم يذكر مطيعًا.

وهو رواية: أبي مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني في رواية.

ومن خلال هذا العرض يظهر أنه قد اختلف أيضًا على: علي بن مسهر، وابن عيينة، وزكريا بن إبراهيم، وأبي مروان الغساني.

فأما علي بن مسهر، فقد روي عنه الحديث على الوجهين الأول والثاني، وكلا الوجهين لا يصح؛ إلا أن الوجه الثاني أصح، فرواه على الوجه الأول زكريا بن عدي وهو ثقة([3])، غير أن في الطريق إليه بلبل بن هارون، لا يعرف، ترجم له الدارقطني واكتفى بقوله: بصري، وترجم له الخطيب البغدادي ولم يذكره بجرح أو تعديل، وقال: الديرعاقولي([4])، فلا أدري هو هذا أم لا؟ وقد تفرد برفع كلام عمر، وأما الوجه الثاني فيرويه عبد الغفار بن عبد الله الموصلي، ترجم له ابن أبي حاتم ولم يذكره بجرح أو تعديل، وذكره ابن حبان في الثقات([5]).

وأما ابن عيينة؛ فروي عنه الحديث على الوجهين الثالث والرابع، والثالث هو الأصح عنه منهما؛ حيث رواه عنه اثنان أحدهما الحميدي، وهو أثبت الناس في ابن عيينة، وأكثرهم ملازمة له، فقد سُئل أحمد: من أثبت في ابن عيينة: علي بن المديني أو الحميدي؟ فقال: "الحميدي صاحب الرجل، وأعلم الناس بحديث ابن عيينة، وأثبتهم فيه"، وقال أبو حاتم الرازي: "أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة"، وقال محمد بن عبد الرحمن الهروي: "قدمت مكة سنة ثمان وتسعين، ومات ابن عيينة في أول السنة قبل قدومي لسبعة أشهر، فسألت عن أجل أصحاب ابن عيينة؟ فذكر لي الحميدي، فكتبت حديث ابن عيينة عنه"([6])، أما الوجه فمن رواية ابن معين، غير أن في الطريق إليه أحمد بن مروان الدينوري، وقد تكلم في حديثه([7]).

وأما زكريا بن إبراهيم، فقد روي عنه الحديث على الوجهين الثاني والخامس، والثاني هو الأصح عنه؛ فهو من رواية محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو صدوق([8])، أما الوجه الخامس فيرويه محمد بن الحسن بن زبالة وهو متروك، كذبه ابن معين وغيره([9]).

وأما أبو مروان الغساني؛ فقد روي الحديث عنه على الوجهين الثالث والسادس، فرُوي عنه بنفس الإسناد مرة عن هشام، عن أبيه بلفظ: (أوصى عبد الله بن مسعود إلى الزبير، وكان عثمان بن عفان قد حبس عطاءه...)، ومرة عن هشام، عن أبيه؛ (أن عمر بن الخطاب قال: لو عهدت عهدًا أو تركت تركة كان أحبهم إلي الزبير إنه ركن من أركان الدين)، ولم يذكر مطيع بن الأسود.

وأبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني، ضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم: "شيخ ليس بمشهور"، وقال ابن حبان: "كان ممن يروي عن الثقات المقلوبات حتى إذا سمعها من الحديث صناعته لم يشك أنها مقلوبة، لا يجوز الرواية عنه لما أكثر من مخالفة الثقات فيما يروي عن الأثبات"([10]).

وبهذا ينحصر الاختلاف على هشام بن عروة في الأوجه التالية:

الثاني: فيما يرويه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وزكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع.

والثالث: فيما يرويه سفيان بن عيينة، وعبد الله بن مصعب الزبيري.

والرابع: فيما يرويه حفص بن غياث، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وأبو الأسود حميد بن الأسود.

والصحيح عن هشام: الوجه الرابع، بذكر عروة، مقتصرًا على وصية أصحاب النبي للزبير؛ فقد رواه جماعة فيهم أبو أسامة، وهو من أروى الناس عن هشام، وأحسنهم رواية لحديثه، قال ابن معين: "أبو أسامة راوية هشام بن عروة، سمع أبو أسامة من هشام بن عروة ست مئة حديث"، وقال الإمام أحمد: "ما رأيت أحدًا أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة، ولا أحسن رواية منه"([11]).

والوجه الثالث أيضًا محفوظ عن هشام، فالظاهر أن هشامًا كان يحدث بالوجهين عن أبيه وبإسقاطه؛ وقد وافق ابن عيينة، وعبد الله بن مصعب الزبيري، أصحاب الوجه الثالث في المتن فلم يذكرا فيه قول عمر، لكنهما لم يذكرا عروة في إسناد الحديث، وقد تقدم أن لابن عيينة رواية مرجوحة على الوجه الرابع أيضًا.

وقد سُئل الإمام أحمد: "هذا الاختلاف عن هشام، منهم من يرسل، ومنهم من يسند عنه، من قبله كان؟ فقال: نعم". وقال أيضًا: "ما أحسن حديث الكوفيين عن هشام بن عروة، أسندوا عنه أشياء، قال: وما أرى ذاك إلا على النشاط"، يعني: أن هشامًا ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى([12]).

أما الوجه الثاني، فرواه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، قال أبو حاتم: "متروك، ضعيف الحديث جدًّا"، وقال العقيلي: "لا يتابع على كثير من حديثه"، وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي عن هشام بن عروة ما لم يحدث به هشام قط، لا تحل كتابة حديثه ولا الرواية عنه"، وقال ابن عدي: "أحاديثه عامتها مما لا يتابعه الثقات عليه"، وقال الدارقطني: "كثير الخطأ على هشام، ضعيف الحديث"([13]).

وأيضًا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، مجهول، قال ابن القطان: لا تعرف له حال، وقال الذهبي: ليس بالمشهور([14]).

قال الدارقطني: "تفرد به زكريا بن إبراهيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مطيع، ولم يروه غير أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع"، كذا قال $، وقد رواه غيره بنحوه كما تقدَّم.

والخلاصة: أن الحديث لم يصح له إسناد إلى عمر موقوفًا: (لو عهدت عهدًا أو تركت تركة ما أوصيت إلا إلى الزبير، إن الزبير ركن من أركان الدين)، فضلًا عن أن يصح مرفوعًا إلى النبي .

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة