الحديث في الصحيحين من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، وفي صحيح البخاري من طريق عائشة بنت سعد، وفي صحيح مسلم من طريق ثلاثة من ولد سعد، ومصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص.
فأمَّا طريق عامر بن سعد، فيرويه: الزهري، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهاشم بن هاشم، وبكير بن مسمار، وجرير بن زيد.
وقد اختلف في إسناده ومتنه على الزهري، وفي إسناده على سعد بن إبراهيم، وهاشم بن هاشم.
فأمَّا الزهري؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على خمسة أوجه:
الوجه الأول: الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد.
وهو رواية: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد، ويحيى بن أبي أنيسة، ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، وسفيان بن حسين الواسطي، ومحمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعقيل بن خالد، والنعمان بن راشد، وإسحاق بن راشد، وزياد بن سعد، ويعقوب بن جعدة، ووائل بن داود، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق.
وسعيد بن عبد العزيز التنوخي فيما يرويه الوليد بن مسلم، وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر في رواية محمد بن عوف الحمصي.
الوجه الثاني: الزهري، عن عامر بن سعد مرسلًا.
وهو رواية: يزيد بن أبي حبيب، وعبد الله بن أبي بكر.
وسعيد بن عبد العزيز التنوخي فيما يرويه أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر في رواية أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاس، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، ومحمد بن عوف الحمصي.
الوجه الثالث: الزهري، عن محمود بن لبيد، عن شداد بن أوس.
وهو رواية: الوليد بن محمد الموقري فيما يرويه سويد الحدثاني.
الوجه الرابع: الزهري، عن محمود بن شداد، عن أبيه شداد بن أوس.
وهو رواية: الوليد بن محمد الموقري في رواية.
الوجه الخامس: الزهري مرسلًا.
وهو رواية: جعفر بن برقان.
وبهذا يظهر أنه قد اختلف على سعيد بن عبد العزيز التنوخي، والوليد بن محمد الموقري أيضًا.
فأمَّا سعيد بن عبد العزيز؛ فرُوي عنه الحديث على الوجهين الأول والثاني، وحدَّث بهما عنه أبو مسهر، في رواية محمد بن عوف الحمصي، قال أبو عوانة بعد أن ساقه من رواية من رواه عن أبي مسهر على الوجه الثاني: "عندي في موضع عن ابن عوف: عن عامر بن سعد، عن أبيه".
فالظاهر أن رواية الحديث على الوجه الأول موصولًا ثابت عن سعيد بن عبد العزيز، فقد وافق فيه رواية الجماعة، ورواه عنه أيضًا الوليد بن مسلم متابعًا لأبي مسهر.
وأمَّا الوليد بن محمد الموقري؛ فرُوي عنه على الوجهين الثالث والرابع، رواه عنه سويد بن سعيد الحدثاني على الوجه الثالث، بينما رواه كما عند الدارقطني في الأفراد على الوجه الرابع.
وهناك احتمال أن يكون الحديث عند الدارقطني: عن محمود، عن شداد، فاختصره ابن القيسراني في الأطراف على هذا النحو، فجعله: عن محمود، عن أبيه؛ ظنًّا منه أن المقصود بمحمود هو ابن شداد، وسواء كان هذا أو ذاك، فالموقري متروك الحديث([1])؛ وقد قال الدارقطني فيما نقله ابن القيسراني: "تفرَّد به الوليد بن محمد الموقري، عن الزهري، عن محمود، عن أبيه، وغيرُه يرويه عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه".
والصحيح عن الزهري رواية الحديث على الوجه الأول؛ فهو رواية الجماعة، وفيهم كبار أصحابه وأهل التثبت فيه([2]).
فأما الوجه الثاني؛ فيرويه يزيد بن أبي حبيب وليس من أصحاب الزهري المقدمين فيه، بل لم يسمع من الزهري شيئًا إنما هو كتاب([3])، قال الإمام أحمد: "يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من الزهري ابن شهاب شيئًا، إنما كتب إليه الزهري، ويروي عن رجل عنه، لم يسمع من الزهري شيئًا"، وفي هذه الرواية قال: "عن ابن شهاب أنه كتب يذكر... "، فلعله ساقه على سبيل المذاكرة والحكاية لا الرواية، ويرويه أيضًا عبد الله بن أبي بكر، لكنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى الأسلمي، وهو متروك، وكذبه غير واحد([4]).
وأما الوجه الخامس؛ فتفرد به جعفر بن برقان، فرواه عن الزهري وميمون بن مهران مرسلًا، وهو يهم في حديث الزهري، قال ابن معين: "ثقة فيما روى عن غير الزهري، وأما ما روى عن الزهري فهو فيه ضعيف، وكان أميًّا لا يكتب، فليس هو مستقيم الحديث عن الزهري، وهو في غير الزهري أصح حديثًا"، وقال الإمام أحمد: "هو في حديث الزهري يضطرب، ويختلف فيه"، وقال أيضًا: "يضعف في روايته عن الزهري"، وبنحو هذا قال غير واحد؛ كابن نمير، والنسائي، وغيرهما([5]).
وأمَّا المتن؛ فقد رواه عن الزهري سفيان بن عيينة، واختلف عليه؛ فرواه محمد بن أبي عمر العدني، والحسين بن الحسن المروزي، وهشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، والشافعي، وسعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل، وزكريا بن يحيى المروزي، وزهير بن حرب، وأحمد بن عبدة، وعبد الجبار بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، والحسين بن حريث، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الله بن محمد الزهري، ويونس بن عبد الأعلى، وعبد الله بن أيوب المخرمي، وسعدان بن نصر، وعلي بن حرب، ويحيى بن واقد، والحميدي في رواية، فقالوا: (مرضت بمكة عام الفتح مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فقلت: يا رسول الله، إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنتي).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن أبي خلف، وعمرو بن عثمان الحمصي، وابن سعد، وعمرو بن محمد الناقد، وعلي بن المديني، ومسدد بن مسرهد، وإبراهيم بن محمد الشافعي، ومحمد بن عبد الله ابن المقرئ، وأحمد بن شيبان الرملي، والحميدي في رواية، بنحوه دون: (عام الفتح).
فقوله: (عام الفتح) صحيحة عن ابن عيينة؛ كما هو ظاهر، وقد خالف في ذلك سائر أصحاب الزهري، فقالوا: (عام حجة الوداع)؛ كمالك، وإبراهيم بن سعد، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد، وغيرهم، وهو الصحيح، وابن عيينة وإن كان ثقة إلا أنه ربما أخطأ على الزهري، قال أحمد بن حنبل: " كنت أنا وعلي بن المديني، فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري؟ فقال علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا: مالك بن أنس، وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثًا عن الزهري، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين، أو ثلاثة، فرجعت، فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة، فإذا هي أكثر من عشرين حديثًا"([6]).
وقال أبو حاتم الرازي: "مالك بن أنس ثقة، إمام الحجاز، وهو أثبت أصحاب الزهري، وإذا خالفوا مالكًا من أهل الحجاز حكم لمالك، ومالك نقي الرجال نقي الحديث، وهو أنقى حديثًا من الثوري والأوزاعي، وأقوى في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه"([7]).
قال يعقوب بن شيبة: "سمعت علي بن المديني وذكر هذا الحديث، فقال: قال معمر، ويونس، ومالك: (حجة الوداع)، وقال ابن عيينة: (عام الفتح)، قال: والذين قالوا حجة الوداع أصوب"([8]).
وقال البيهقي: "وسفيان خالف الجماعة في قوله: (عام الفتح)، والمحفوظ: (عام حجة الوداع) ".
وقال أيضًا: "وسفيان خالف الجماعة في قوله: (عام الفتح)، والصحيح: رواية مالك، وإبراهيم بن سعد، ومعمر، ويونس، عن الزهري: في حجة الوداع".
وقال: "ورواه أيضًا شعيب بن أبي حمزة، وإبراهيم بن سعد، ومعمر، وعبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهري قالوا كلهم: في حجة الوداع، وخالفهم سفيان بن عيينة، عن الزهري فقال: (عام الفتح)، والصحيح رواية الجماعة".
وقال ابن عبد البر: "ومرضه ذلك في حجة الوداع فيما ذكر أكثر أصحاب ابن شهاب عنه في هذا الحديث، وقال فيه ابن عيينة عنه: (عام الفتح)، ولا أعلم أحدًا من أصحاب الزهري قال ذلك فيه عنه غير ابن عيينة"([9]).
وقال: "هذا حديث قد اتفق أهل العلم على صحة إسناده، وجعله جمهور الفقهاء أصلًا في مقدار الوصية، وإنه لا يتجاوز بها الثلث، إلا أن في بعض ألفاظه اختلافًا عند نقلته، فمن ذلك أن ابن عيينة قال فيه: عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه: (مرضت عام الفتح)، انفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت، وقد رُوينا هذا الحديث من طريق معمر، ويونس بن يزيد، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي عتيق، وإبراهيم بن سعد، فكلُّهم قال فيه: عن ابن شهاب: (عام حجة الوداع)؛ كما قال مالك"([10]).
وقال أيضًا: "هكذا قال جماعة أصحاب ابن شهاب في هذا الحديث: (جاء رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع)؛ كما قال مالك، إلا ابن عيينة، فإنه قال فيه: (عام الفتح)، فأخطأ في ذلك"([11]).
وقال العلائي: "قول سفيان بن عيينة في هذا الحديث: (مرضت عام الفتح)، خالفه فيه عامة أصحاب ابن شهاب: مالك، ومعمر، ويونس، وغيرهم، فقالوا فيه: (عام حجة الوداع)، وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ وفاة سعد بن خولة المذكور في الحديث كانت عام حجة الوداع، كذلك قاله يزيد بن أبي حبيب وغيره، ونسب الأئمة سفيان بن عيينة إلى الوهم في هذا التاريخ"([12]).
وقال ابن الملقن: "واختلف متى عاده ﷺ، والصواب: في حجة الوداع، وبه قال الزهري، وقال ابن عيينة: في يوم الفتح، وغلَّطوه"([13]).
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "والصحيح إن شاء الله تعالى في هذه القصة أنها كانت بمكة عام حجة الوداع، كما بُين في طرق للحديث، ونسب الأئمةُ سفيان إلى الوهم في روايته أن القصة كانت زمن الفتح"([14]).
وقال الحافظ ابن حجر: "واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة فقال: (في فتح مكة)، أخرجه الترمذي وغيره من طريقه، واتَّفق الحفاظ على أنه وهم فيه"([15]).
بينما ذهب الطحاوي إلى ترجيح رواية ابن عيينة مستدلًا على ذلك بحديث آخر لعمرو القاري، وهو حديث ضعيفٌ([16])، لا يُعارض بمثله حديث الحفاظ عن الزهري، عن عامر، عن أبيه، بل لعلَّ ابن عيينة دخل له حديث القاري -إن كان عنده- في حديث سعد، كما أشار لهذا ابن حجر([17]).
وأيضًا اختلف على الزهري في قوله: (أفأتصدق بثلثي مالي؟)، فرَوَى الحديث عنه هكذا: مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وابن عيينة في أغلب الروايات عنه، وغيرهم.
ورواه معمر بن راشد، وسفيان بن حسين الواسطي، والنعمان بن راشد، وإسحاق بن راشد، وجعفر بن برقان، وعبد الله بن أبي بكر، وابن عيينة في بعض الروايات عنه، فقالوا: (أفأوصي) بدلًا من (أفأتصدق).
والأشهر عن الزهري: بلفظ: (أفأتصدق)، والمراد منه هنا الوصية، وإلا فكلُّ مــن روى الحـديث عـن عـامــر بـن سعــد، وكـذا سعـد بـن أبي وقـاص، رواه بلفـظ: (أفأوصي).
وقد أشار ابن حزم إلى أن سائر الطرق عن عامر وسعد بن أبي وقاص بلفظ الوصية، ثم قال: "فصحَّ أن الذين رووا لفظ: (أفأتصدق) عن الزهري إنما عنوا به الوصية بلا شك، لا الصدقة في حال الحياة؛ لأنه كله خبر واحد، عن مقام واحد، عن رجل واحد، في حكم واحد، وكل وصية صدقة، وليس كل صدقة وصية"([18]).
وقال ابن عبد البر: "وقد قال بعض أهل العلم: إن عامر بن سعد هو الذي قال في حديث سعد: (أفأتصدق بثلثي مالي -أو بمالي-؟)، وأمَّا مصعب بن سعد فإنما قال: (أفأوصي) ولم يقل: (أفأتصدق)، والذي أقوله: إن ابن شهاب هو الذي قال عن عامر بن سعد في هذا الحديث (أفأتصدق)؛ لأن غير ابن شهاب رواه عن عامر فقال فيه: (أفأوصي) كما قال مصعب بن سعد، وهو الصحيح إن شاء الله"([19]).
وأمَّا قوله: (لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) في حديث الزهري، فأهل العلم على أن نهاية كلام النبي ﷺ عند قوله: (لكن البائس سعد بن خولة)، واختلفوا في الباقي.
فذهب بعضُهم إلى أنه من كلام سعد بن أبي وقاص؛ مستدلين على ذلك بما وقع عند البخاري وغيره من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، وفي آخره: (لكن البائس سعد ابن خولة. قال سعد: رثى له النبي ﷺ من أن توفي بمكة).
قال أبو العباس الداني: "وفي آخره: لكن البائس سعد بن خولة، وبعده متصلًا من غير فصل: يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة، وهذا من قول سعد بن أبي وقاص، رواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، خرجه البخاري"([20]).
وقال القاضي عياض: "وقوله في حديث سعد: (لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ إن مات بمكة)، القائل: يرثي له رسول الله ﷺ سعد بن مالك راوي القصة، وكذا جاء مبينًا في كتاب الأدعية، وقيل: بل قائله الزهري، والأول أصح"([21]).
وقال الكرماني: "وهذا كلام سعد بن أبي وقاص، وصرَّح به البخاري في كتاب الدعوات"([22]).
وقال الحافظ ابن حجر: "قال ابن عبد البر: زعم أهل الحديث أن قوله: (يرثي.. إلخ) من كلام الزهري، وقال ابن الجوزي وغيره: هو مدرجٌ من قول الزهري، قلت: وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، فإنه فصَّل ذلك، لكن وقع عند المصنف في الدعوات عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد في آخره: (لكن البائس سعد بن خولة، قال سعد: رثى له رسول الله ﷺ... إلخ)، فهذا صريحٌ في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه"([23]).
فدليل هذا القول: رواية إبراهيم بن سعد، والتي فيها التصريح بأن القائل هو سعد بن أبي وقاص.
وذهب بعضُهم إلى أنه مدرجٌ من كلام الزهري كما تقدَّمت الإشارة إليه، وقال ابن بطال: "قوله: (يرثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) من قول سعد في بعض الطرق، وأكثر الطرق أنه من قول الزهري، وليس هو من قول الرسول"([24]).
وقال ابن عبد البر: "ما قاله شيوخنا في حديث ابن شهاب: (يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) من كلام ابن شهاب صحيحٌ"([25]).
وقال أبو العباس القرطبي: "وأمَّا قوله بعد ذلك: (رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة)؛ فظاهره: أنه من كلام غير النبي ﷺ، فقيل: هو قول سعد بن أبي وقاص، وقد جاء ذلك في بعض طرقه، وأكثر الناس على أنه من قول الزهري"([26]).
وقال ابن حجر: "وأمَّا ما أدرج من كلام بعض التابعين أو من بعدهم في كلام الصحابة ﭬ فمنه حديث سعد بن أبي وقاص ﭬ في قصة مرضه بمكة، واستئذان النبي ﷺ في الوصية، وفيه: (لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ إن مات بمكة) فإن قوله: (يرثي له...) إلى آخره من كلام الزهري، أدرج في الخبر، إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه"([27]).
كذا قالوا، ولم أجد في شيء من الطرق التصريح بأن القائل هو الزهري، إلا في قول المزي: "رواه أبو داود الطيالسي: عن إبراهيم بن سعد، وقال في آخره: لكن البائس سعد بن خولة، قال الزهري: يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة"([28]).
وقال الحافظ ابن حجر: "وأفاد أبو داود الطيالسي في روايته لهذا الحديث عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، أن القائل: (يرثي له... إلخ) هو الزهري"([29]).
وهذا الذي نقله المزي، وتابعه عليه ابن حجر، لم أقف عليه في المطبوع من المسند، ولا في حديث من رواه من طريق الطيالسي كالدورقي، وأبي نعيم الأصبهاني، والبيهقي.
وذهب بعضُهم إلى احتمال أن قوله: (أن مات بمكة) من كلام النبي، دون قوله: (يرثي له رسول الله).
قال القاضي عياض: "وقوله: (يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة)، قال أهل الحديث: انتهى كلام النبي ﷺ في قوله: (لكن البائس سعد بن خولة)، ثم ذكر الحاكي هذا علة قول النبي ﷺ فيه هذا وسببه، وإن ذلك رثاء له وتوجعًا لموته بمكة، وقائل هذا الكلام قيل: هو سعد بن أبي وقاص، وكذا جاء في بعض الطرق، وأكثر ما جاء أنه من قول الزهري، ويحتمل أن يكون قوله: (أن مات بمكة) من قول النبي ﷺ، ومن قول غيره: (يرثى له رسول الله ﷺ) فقط، تفسيرًا لمعنى قوله: (البائس)، إذ قد رُوي في حديث آخر: (لكن سعد بن خولة البائس قد مات في الأرض التي قد هاجر منها) "([30]).
وقد يؤيد ذلك أيضًا رواية ابن عيينة فيما يرويه عمرو الناقد، وابن المديني: (لكن البائس سعد بن خولة مات بمكة)، وأمَّا الرواية التي أشار إليها القاضي عياض فهي رواية جرير بن زيد، عن عامر بن سعد.
ولم أجد من قال بأن قوله: (لكن البائس سعد بن خولة) ليس مرفوعًا إلا ما جاء في كلام ابن الملقن: "وقوله: (لكن البائس سعد بن خولة) قيل: هو مرفوع، وقيل: من قول الراوي... "([31])، وهو قول ضعيفٌ لا دليل عليه.
وأيضًا من الاختلافات على الزهري: ما زاده سفيان بن حسين الواسطي، والنعمان بن راشد في حديث الزهري، فقالا فيه: (يا رسول الله، إني أرهب أن أموت في الأرض التي هاجرت منها، فادع الله لي، قال: اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا).
وتفرَّد النعمان بن راشد أيضًا بلفظ: (إن نفقتك على أهلك لك صدقة، وإن نفقتك على عيالك لك صدقة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك).
ولم ترد هذه الألفاظ في حديث الزهري إلا من طريقهما، وهما ضعيفان، فأمَّا سفيان بن حسين؛ فليس به بأس في غير الزهري، وروايته عن الزهري ضعيفة([32])، وأمَّا النعمان بن راشد الجزري فسيء الحفظ([33])، والذي يظهر أن هذه الألفاظ دخلت لهم من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري، والله أعلم.
وأمَّا سعد بن إبراهيم؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن سعد.
وهو رواية: سفيان الثوري، ومنصور بن المعتمر، وشعبة بن الحجاج.
الوجه الثاني: سعد بن إبراهيم، عن بعض آل سعد مرسلًا.
وهو رواية: مسعر بن كدام فيما يرويه أبو نعيم الفضل بن دكين.
الوجه الثالث: سعد بن إبراهيم، عن بعض آل سعد، عن سعد.
وهو رواية: مسعر بن كدام فيما يرويه وكيع بن الجراح.
وبهذا يتبين أن مسعرًا قد اختلف عليه أيضًا، فرُوي عنه على الوجهين الثاني والثالث، وأبو نعيم ووكيع حافظان، فلعلَّ مسعرًا كان يرويه على الوجهين، والصحيح عن سعد: رواية الثوري ومن تابعه على الوجه الأول؛ وهو اختيار البخاري ومسلم.
قال الدارقطني: "رواه الثوري، ومنصور بن المعتمر، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه. وقال مسعر عن سعد: حدثني بعض آل سعد، عن سعد، ولم يسمه، وهو صحيح عن عامر بن سعد، عن سعد"([34]).
وقال أيضًا: "يرويه الزهري وهو صحيح عنه، ورواه سعد بن إبراهيم، فاختلف عنه فيه؛ فرواه الثوري، عن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه. وقال مسعر: عن سعد، حدثني بعض آل سعد، عن سعد. وهو صحيحٌ عن عامر بن سعد، عن أبيه، من رواية الزهري، ومن رواية سعد بن إبراهيم"([35]).
وقال الحافظ ابن حجر: "ووقع في رواية مسعر عن سعد بن إبراهيم: حدثني بعض آل سعد، قال: مرض سعد، وقد حفظ سفيان اسمه ووصله، فروايتُه مقدمة"([36]).
وأمَّا هاشم بن هاشم؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن سعد.
وهو رواية: مروان بن معاوية الفزاري.
الوجه الثاني: هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد مرسلًا.
وهو رواية: شجاع بن الوليد السكوني.
والصحيح عنه: الوجه الأول؛ فمروان بن معاوية أوثق وأحفظ من شجاع بن الوليد([37])، وهو اختيار البخاري أيضًا.
وأمَّا المتن؛ فلم يختلف على عامر بن سعد في متنه، إلا ما تقدَّم من أن الزهري رواه بلفظ: (أفأتصدق بثلثي مالي؟)، وقد تقدَّمت الإجابة عن ذلك.
ورواه سعد بن إبراهيم بلفظ: (جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء) أو: (سعد بن عفراء)، والمشهور في رواية الزهري وغيره أنه سعد بن خولة.
فذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه وهم؛ قال ابن الملقن: "قال الداودي: أراه غير محفوظ، والصواب: ابن خولة؛ كما ذكره البخاري في الفرائض من حديث الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، ولعلَّ الوهم أتى من سعد بن إبراهيم راويه عن عامر، والزهري أحفظ من سعد"([38]).
وقال الحافظ ابن حجر: "قال الداودي: قوله: (ابن عفراء) غير محفوظ، وقال الدمياطي: هو وهم، والمعروف ابن خولة، قال: ولعلَّ الوهم من سعد بن إبراهيم؛ فإن الزهريَّ أحفظ منه، وقال فيه: سعد بن خولة، يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ: (لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة)، قلت: وقد ذكرت آنفًا من وافق الزهري، وهو الذي ذكره أصحاب المغازي، وذكروا أنه شهد بدرًا ومات في حجة الوداع"([39]).
وقد حاول بعضهم توجيه رواية من قال: ابن عفراء بما يتوافق مع رواية الزهري، فأجابوا عن ذلك بأمور:
قال الكرماني: "فإن قلت: المشهور أنه سعد بن خولة... قلت: قال التيمي: يحتمل أن يكون لأم سعد اسمان خولة وعفراء، وأقول: ويحتمل أن تكون خولة اسمها وعفراء صفتها، أو خولة اسم أبيه وعفراء اسم أمه، هذا وقد جاء في رواية النسائي أيضًا: (رحم الله سعد بن عفراء) "([40]).
ونقل الدماميني عن البلقيني قوله: "وابن عفراء هو سعد بن خولة المذكور في حديث سعد في غير ما موضع، ويدل عليه أن في النسائي: (يرحم الله سعد بن عفراء)"، ثم قال: "ثم حكى معنى ما تقدم عن بعض الشيوخ معزوًا إلى الداودي، ثم قال: ويقال على هذا إذا أمكن التأويل فلا توهيم، يجوز أن يكون أبوه خولة، وأمه اسمها عفراء، أو يكون لأمه اسمان إن كانت خولة اسم أمه، وفيه بُعد"([41]).
وقال الحافظ ابن حجر: "ويحتمل أن يكون أحدهما اسمًا والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمه والآخر اسم أبيه، أو والآخر اسم جدة له، والأقرب: أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه؛ لاختلافهم في أنه خولة أو خولى"([42]).
وكلها افتراضات مستبعدة، لا يخدمها دليل، دافعها فقط تجنب تخطئة من سماه هكذا.
وأما طريق عائشة بنت سعد، فلم يختلف عليها في الإسناد، ولا في المتن، إلا في رواية يزيد بن خصيفة حيث زاد: (وتترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة، وابدأ بمن تعول)، فلم يذكر الجعد بن عبد الرحمن، ولا سعيد بن أبي هلال: (وابدأ بمن تعول)، وكلاهما ثقة، فروايتهما أرجح، حيث خلت منها كل طرق الحديث عن سعد.
وأما طريق الثلاثة من ولد سعد، فيرويه: حميد بن عبد الرحمن الحميري.
وقد اختلف في إسناده على حميد، فرُوي عنه على وجهين:
الوجه الأول: حميد، عن ثلاثة من ولد سعد، عن سعد.
وهو رواية: عمرو بن سعيد فيما يرويه أيوب السختياني في رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ووهيب بن خالد، وحماد بن زيد فيما يرويه عبيد الله بن عمر القواريري، ومحمد بن عبيد بن حساب، وسليمان بن حرب في رواية.
الوجه الثاني: حميد، عن ثلاثة من ولد سعد مرسلًا.
وهو رواية: محمد بن سيرين، وعمرو بن سعيد فيما يرويه عبد الله بن عون، وأيوب السختياني في رواية إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد فيما يرويه أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، وسليمان بن حرب في رواية.
ومن خلال هذا العرض يتبين أن هذا الاختلاف ناشئ من الاختلاف على حماد، وأيوب السختياني، والذي يظهر أن الصحيح عن أيوب: هو ما رواه ابن علية، ووافقه عليه حماد بن زيد في وجه عنه، وهما أثبت أصحاب أيوب([43]).
وقد رواه أيضًا ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد مرسلًا، وكذا ابن سيرين، عن حميد.
والطريق الموصول والطريق المرسل كلاهما في صحيح مسلم، وقد تعقَّب الدارقطنيُّ مسلمًا إخراجه لهذا الطريق([44]).
وقال القاضي عياض -بعد أن ذكر قول الدارقطني-: "وأرى مسلمًا أدخل هذه الروايات ليبين الخلاف فيها، وهي وشبهها عندي من العلل التي وعد بذكرها في مواضعها، وظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، فقالوا: توفى قبل تأليفها، وقد بسطنا هذا صدر الكتاب، ولم يدرك أحدٌ من ولد سعد النبي ﷺ، ويدلُّ عليه قوله في الحديث: (ولا يرثني إلا ابنة لي)، وذلك في حجة الوداع آخر مدة النبي ﷺ، وهذا الحديث وإن لم يذكر في بعض طرقهم سماعهم عن سعد ذلك، فهو محمول على المسند لروايتهم عنه غير هذا على أصلهم في ذلك"([45]).
وهذا الحديث وإن كان الصواب فيه الإرسال، فمثل هذا لا يضرُّه، فهم ثلاثة من ولد سعد، يحكون قصة وقعت لأبيهم، فالغالب أنهم سمعوها منه، ومثل هذا يتسمحون فيه، كما يصنع البخاري في حديث عروة مع عائشة ونحو ذلك([46]).
ولعلَّ هؤلاء الثلاثة من ولد سعد، هم: عامر بن سعد، ومصعب بن سعد، ومحمد بن سعد، فقد جاء الحديث عنهم من طرق أخرى، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن الحميري، قال: أخبرني ثلاثة نفر من ولد سعد، هذا أحدهم يعني: عامر بن سعد.
وأمَّا المتن، فلم يختلف على حميد فيه، إلا أن عمرو بن سعيد فيما يرويه عبد الله بن عون رواه بلفظ: (وليس لي وارث إلا كلالة، أفأوصي بمالي كله؟)، والصواب: كما في رواية أيوب السختياني بلفظ: (إن لي مالًا كثيرًا، وإنما ترثني ابنة لي، أفأوصي بمالي كله؟)، وهو المعروف في سائر الطرق عن سعد، والله أعلم.
وللحديث عن سعد بن أبي وقاص ثلاثة طرق أخرى خارج الصحيحين، وهي:
الطريق الأول: أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، عن سعد.
يرويه: عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي.
وقد اختلف على عطاء في إسناده ومتنه.
فأمَّا الإسناد، فرُوي عنه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سعد.
وهو رواية: جرير بن عبد الحميد، وأبي الأحوص سلام بن سليم، وخالد بن عبد الله الطحان، ومحمد بن فضيل، وجعفر بن زياد، وأبي إسحاق الفزاري، ورقاء بن عمر اليشكري.
وزائدة بن قدامة فيما يرويه الحسين بن علي الجعفي في رواية أحمد بن حنبل.
الوجه الثاني: عطاء، عن أبيه السائب مرسلًا.
وهو رواية: أبي حنيفة النعمان بن ثابت فيما يرويه أبو يوسف القاضي.
الوجه الثالث: عطاء، عن أبيه، عن سعد.
وهو رواية: يونس بن أبي إسحاق، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت فيما يرويه محمد بن الحسن الشيباني، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وعبيد الله بن الزبير، وإسماعيل بن يحيى، وحماد بن أبي حنيفة، وحمزة بن حبيب الزيات، ومحمد بن خالد الوهبي، وعبد العزيز بن خالد، وأسد بن عمرو، وشعيب بن إسحاق، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وحفص بن غيلان.
الوجه الرابع: عطاء، عن مصعب بن سعد، عن سعد.
وهو رواية: زائدة بن قدامة فيما يرويه الحسين بن علي الجعفي فيما ذكره الدارقطني معلقًا.
ومن خلال هذا العرض يظهر أنه اختلف أيضًا على أبي حنيفة، والحسين الجعفي تلميذ زائدة، فأمَّا أبو حنيفة؛ فالصحيح عنه: رواية الأكثر على الوجه الثالث.
وأمَّا الحسين الجعفي؛ فالصحيح عنه: الوجه الأول؛ وأمَّا روايته بالوجه الرابع فلم أقف عليها موصولة، ولعلَّ أحدهم وهم عليه، ودخل له حديث في حديث، فقد روى الحسين الجعفي هذا الحديث أيضًا: عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه([47]).
وبهذا ينحصر الخلاف على عطاء بن السائب في رواية الجماعة على الوجه الأول وهو الصحيح، ورواية يونس بن أبي إسحاق، وأبي حنيفة على الوجه الثالث، فأمَّا يونس بن أبي إسحاق فقد جاء حديثه من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي، وهو متروك، وكذَّبه ابن معين، وأبو داود، وغيرهما([48]).
قال الدارقطني: "حدَّث به حسين الجعفي، عن زائدة، عن عطاء بن السائب، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وخالفه أبو حنيفة فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن سعد، وخالفهما أصحاب عطاء الثقات الحفاظ فرووه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سعد، وهو الصواب"([49]).
وأمَّا المتن؛ فقد رواه جرير بن عبد الحميد، وأبو الأحوص، وخالد الطحان، ومحمد بن فضيل، وغيرهم، عن عطاء بن السائب، بلفظ: (عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض، فقال: أوصيت؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: فما تركت لولدك؟ قلت: هم أغنياء بخير، قال: أوص بالعشر، قال: فمازلت أناقصه حتى قال: أوص بالثلث، والثلث كبير).
هكذا قال: (ما تركت لولدك؟) أو: (ما تركت لورثتك؟)، والمعروف أن سعدًا قال: (ولا يرثني إلا ابنة)، وأيضًا تفرَّد بذكر أن النبي ﷺ قال له: (أوص بالعشر)، وعطاء بن السائب كان قد اختلط، وليس في هؤلاء من روى عنه قديمًا قبل الاختلاط.
بينما رواه زائدة بن قدامة عنه بلفظ: (فيَّ سَنَّ رسول الله ﷺ الثلث، أتاني يعودني قال: فقال لي: أوصيت؟ قال: قلت: نعم، جعلت مالي كله في الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، قال: لا تفعل، قلت: إن ورثتي أغنياء، قلت: الثلثين؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير)، وبنحوه رواه أبو حنيفة، وهذا هو الصحيح؛ فزائدة بن قدامة ذُكر فيمن روى عن عطاء قبل الاختلاط([50])، والله أعلم.
الطريق الثاني: محمد بن سعد، عن أبيه سعد.
يرويه: همام بن يحيى، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن محمد بن سعد.
وهذا سند رجاله ثقاته، وقتادة مدلس([51])، وهو وإن لم يصرح بالسماع إلا أنه معروف بالرواية عن يونس بن جبير([52]).
الطريق الثالث: عروة بن الزبير، عن سعد.
يرويه: هشام بن عروة، عن أبيه عروة.
وقد اختلف على هشام في إسناده، فرُوي عنه على وجهين:
الوجه الأول: هشام، عن أبيه، عن سعد.
وهو رواية: وكيع بن الجراح.
الوجه الثاني: هشام، عن أبيه، عن عائشة.
وهو رواية: محمد بن ربيعة الكلابي.
والصحيح عن هشام: الوجه الأول؛ فوكيع أجل وأوثق، وقد سلك محمد بن ربيعة فيه الجادة، وقد قال الدارقطني: "يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه؛ فرواه محمد بن ربيعة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ووهم في ذكر عائشة، والصحيح: عن هشام، عن أبيه، عن سعد؛ كذلك رواه أصحاب هشام الحفاظ، عن هشام"([53]).
فظاهر كلام الدارقطني أن هناك من رواه غير وكيع، وهو طريق ضعيف؛ لانقطاعه بين عروة بن الزبير وسعد؛ كما قال أبو زرعة([54]).
![]()