الحديث في صحيح مسلم من طريق أبي المهلب الجرمي، ومحمد بن سيرين، عن عمران بن حصين.
فأما أبو المهلب الجرمي؛ فيرويه عنه: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي.
ويرويه عن أبي قلابة: أيوب السختياني، وخالد بن مهرن الحذاء.
ويرويه عن أيوب: إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومعمر بن راشد، وجرير بن حازم، والحارث بن نبهان، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.
وقد اختلف في إسناد الحديث ومتنه على أبي قلابة، واختلف في إسناده على عبد الوهاب الثقفي الراوي عن أيوب.
فأما عبد الوهاب الثقفي؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين.
وهو رواية: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، والشافعي في رواية.
الوجه الثاني: عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن رجل، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: الشافعي في رواية.
الوجه الثالث: عبد الوهاب الثقفي، عن عنبسة الأعور، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وسمرة.
وهو رواية: الفيض بن وثيق الثقفي.
والصحيح عن عبد الوهاب رواية الحديث على الوجه الأول؛ فهو رواية الأكثر والأحفظ، أما الوجه الثاني؛ فرواه الشافعي هكذا في موضع فأبهم أبا قلابة، إلا أنه رواه في غير موضع من كتبه فسمَّاه، وأما الوجه الثالث فتفرد به الفيض بن وثيق الثقفي، وهو مع مخالفته للثقات الحفاظ عن عبد الوهاب، كذَّبه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه الذهبي: "روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء الله"([1])، فمن هذه حاله لا يحتمل تفرده، فكيف وقد خالف؟!
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عنبسة بن أبي رائطة الأعور الغنوي إلا عبد الوهاب الثقفي، تفرد به الفيض بن وثيق، ولا قال أحد ممن روى هذا الحديث: عن الحسن، عن سمرة، إلا عنبسة"، فتفرد به الفيض عن عبد الوهاب بهذا الإسناد، وتفرد أيضًا بذكر سمرة في هذا الحديث، وللحديث طرق إلى الحسن البصري، عن عمران، وليس في شيء منها ذكر سمرة بن جندب، والله أعلم.
وأما أبو قلابة؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أبو قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: أيوب السختياني فيما يرويه إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وجرير بن حازم في رواية الليث بن سعد.
وخالد الحذاء فيما يرويه عبد العزيز بن المختار، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ووهيب بن خالد، وجرير بن حازم.
الوجه الثاني: أبو قلابة، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: أيوب السختياني فيما يرويه معمر بن راشد، والحارث بن نبهان، وجرير بن حازم في رواية عبد الله بن وهب.
وخالد الحذاء فيما يرويه سفيان الثوري.
الوجه الثالث: أبو قلابة، عن أبي زيد الأنصاري.
وهو رواية: خالد الحذاء فيما يرويه خالد بن عبد الله الطحان، وهشيم بن بشير.
وبهذا يتبين أنه قد اختلف أيضًا على أيوب السختياني، وتلميذه جرير بن حازم، واختلف كذلك على خالد الحذاء.
فأما جرير بن حازم؛ فرُوي عنه الإسناد عن أيوب على الوجهين الأول والثاني، والصحيح عنه: هو الوجه الأول، فأما الوجه الثاني فرواه عبد الله بن وهب، وقد جمع في حديثه بين جرير بن حازم، والحارث بن نبهان، عن أيوب، عن أبي قلابة، ومحمد بن سيرين، عن عمران، فيحتمل أنه حمل حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران، على حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمران، فلم يذكر أبا المهلب، ولابن وهب عن جرير بن حازم غرائب؛ كما ذكر ابن عدي([2])، ويحتمل أن جرير بن حازم قد حدث به ابن وهب بمصر فأخطأ فيه، قال الساجي: "حدث بمصر أحاديث وهم فيها وهي مقلوبة، حدثني حسين، عن الأثرم قال: قال أحمد بن حنبل: جرير بن حازم حدث بالوهم بمصر، لم يكن يحفظ"، وقال النسائي: "ما حدث جرير بن حازم بمصر فليس بذاك"([3])، فالله أعلم.
وأما أيوب؛ فروي عنه إسناد الحديث على الوجهين الأول والثاني، والوجه الأول هو الصحيح؛ فهو رواية الجماعة، وفيهم حماد بن زيد وإسماعيل بن علية، وهما أثبت الناس في أيوب، قال سليمان بن حرب: "حماد بن زيد في أيوب أكبر من كل من روى عن أيوب"، وقال ابن معين: "من خالف حمادًا من الناس جميعًا في أيوب فالقول قوله"، وقال الإمام أحمد: "ما عندي أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد"، وقال النسائي: "أثبت أصحاب أيوب حماد بن زيد، وبعده عبد الوارث، وابن علية"([4]).
وأما الوجه الثاني؛ فقد رواه معمر، والحارث بن نبهان، ومعمر في حديثه عن العراقيين شيء، نصَّ عليه ابن معين([5])، ولم يكن مقدمًا في أيوب، قال أبو حاتم: "قال حماد بن زيد: كان يختلف إلى أيوب جماعة، فخرج واحد إلى اليمن -يعني: معمرًا-، فحدث عن أيوب بأحاديث، كأنه ليس من حديث أيوب"([6])، والحارث بن نبهان متروك([7]).
وأما خالد الحذاء؛ فرُوي عنه الحديث على الأوجه الثلاثة، والرواة عنه ثقات، فالظاهر أنه لم يضبط إسناد هذا الحديث، وأن الاختلاف منه، فقد كان تغير بأخرة، فكان يحدث بالحديث على وجه، ثم يحدث به على وجه آخر، قال يحيى بن آدم: "قلت لحماد بن زيد: ما لخالد الحذاء في حديثه؟ قال: قدم علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه"([8])، وقد رواه عنه الأكثر على الوجه الأول، فلعله هكذا يحفظه ثم تردد فيه، وروايته على الوجه الأول هي الموافقة لرواية أيوب.
قال الإمام أحمد في الوجه الثالث: "ما ظننا أن أحدًا حدَّث بهذا إلا هشيم، وأبو زيد هذا رجل من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ "([9])، وقد سبق القول بأن هذا من الحذاء، وأن الطحان رواه أيضًا هكذا عن الحذاء، فلعل أحمد قال هذا تعجبا بعد علمه برواية الطحان.
وبهذا يتبين أن الصحيح عن أبي قلابة رواية الحديث على الوجه الأول، وهو الذي اختاره مسلم، ورجَّحه النسائي، فقد ساقه من طريق حماد بن زيد، عن أيوب بالوجه الأول، ومن طريق خالد الطحان، عن خالد الحذاء بالوجه الثالث، وقال: "أيوب أثبت من خالد، وحديثُه أشبه بالصواب"([10])، وما ذكره النسائي عن الحذاء وغلطه فيه، سبق أنه أحد الأوجه عنه، وأن له وجهًا قويًّا عنه بموافقة أيوب، وأيوب أثبت من الحذاء ومقدم عليه؛ نصَّ عليه أيضًا ابن المديني، وقال أبو حاتم: "أيوب السختياني أحب إليَّ في كل شيء من خالد، وهو ثقة لا يُسأل عن مثله"([11]).
وأما المتن؛ فقد وقع اختلاف في مواضع من ألفاظ الحديث:
الأول: ذكر الوصية فيه:
فرواه أيوب السختياني فيما يرويه عبد الوهاب الثقفي في رواية الشافعي بلفظ: (أن رجلًا من الأنصار إما قال: أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين، ليس له شيء غيرهم، وإما قال: أعتق عند موته ستة مملوكين)، والذي يظهر أن هذا الشك في ذكر الوصية من الشافعي نفسه، فقد رواه عن الثقفي: إسحاق بن راهويه، وابن أبي عمر العدني، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، من غير شك بلفظ: (أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين).
وذِكْر الوصية تفرد به عبد الوهاب الثقفي، وقد رواه إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وغيرهما، عن أيوب، فلم يذكروا الوصية بل: (أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته)، وإسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، هما أثبت الناس في أيوب كما تقدَّم، وكذلك لم يذكرها خالد الحذاء، فلا يثبت ذكر الوصية في الحديث.
الثاني: ذِكْر همِّه ﷺ بعدم الصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين:
رواه أيوب فيما يرويه معمر بن راشد بلفظ: (فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: لو أدركته ما دفن مع المسلمين)، وهذا اللفظ تفرد به معمر، عن أيوب، بينما رواه إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، بلفظ: (وقال له قولًا شديدًا)، ومعمر في حديثه عن العراقيين شيء، وقد حدَّث عن أيوب بأحاديث، كأنها ليست من حديث أيوب؛ كما تقدَّم.
ورواه خالد الحذاء فيما يرويه هشيم بن بشير بلفظ: (فبلغ ذلك النبي ڠ فغضب من ذلك، وقال: لقد هممت ألا أصلي عليه)، ويحتمل أن يكون هذا اللفظ قد دخل لهشيم من حديثه الآخر، فهو يرويه عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عمران بهذا اللفظ؛ لكن رواه جرير بن حازم عنه أيضًا، وفيه: (لو علمت بالذي صنع ما صليت عليه)، وعن جرير رواه الليث بن سعد المصري، وحديث جرير بمصر متكلم فيه كما سبق، وأخشى أن تكون هذه اللفظة أيضا انتقل إلى جرير من حديثه عن الحسن، لكني لم أقف على لفظه.
وتفرَّد خالد الطحان، عن الحذاء بلفظ: (لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين)، بينما لم يذكر عبد العزيز بن المختار، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وغيرهما عنه شيئًا من هذه الألفاظ.
وأما ابن سيرين؛ فاختلف عليه في إسناد الحديث، فرُوي عنه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: ابن سيرين، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: هشام بن حسان، وأيوب السختياني، ويحيى بن عتيق، وحبيب بن الشهيد، ويزيد بن إبراهيم التستري، وأبي حمزة إسحاق بن الربيع العطار، ويونس بن عبيد.
الوجه الثاني: ابن سيرين، عن أبي هريرة.
وهو رواية: عوف الأعرابي.
الوجه الثالث: ابن سيرين مرسلًا.
وهو رواية: يحيى بن سعيد الأنصاري وغير واحد من شيوخ مالك، وعبد الله بن عون، وحميد الطويل.
الوجه الرابع: ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: أشعث بن عبد الملك الحمراني.
والوجه الأول: هو رواية الأكثر، وفيهم هشام بن حسان، وأيوب السختياني، وهما مـن أثبـت النـاس فـي ابـن سيريـن([12])، إلا أن الدارقطني أعله بالوجـه الرابع كما سيأتي.
وأما الوجه الثاني؛ فتفرد به عوف الأعرابي، وقد سلك فيه الجادة المعهودة، قال البرديجي: "وعوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فيها صحاح، وفيها منكرة ومعلولة"([13]).
وأما الوجه الثالث؛ فيمكن أن يقال فيه: بأن ابن سيرين قد قصر به.
وأما الوجه الرابع؛ فرواه أشعث الحمراني، قال مسلم: "وإذا وازنت بين الأقران كابن عون، وأيوب السختياني، مع عوف بن أبي جميلة، وأشعث الحمراني -وهما صاحبا الحسن، وابن سيرين، كما أن ابن عون، وأيوب، صاحباهما-، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل، وصحة النقل، وإن كان عوف، وأشعث، غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم"([14]).
إلا أن يحيى القطان قال: "لم أدرك أحدًا من أصحابنا أثبت عندي من أشعث بن عبد الملك، ولا أدركت أحدًا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه"([15]).
وقد تعقب الدارقطني مسلمًا إخراجه الحديث من وجهه الأول: ابن سيرين، عن عمران، فقال: "هذا لم يسمعه محمد من عمران -فيما يقال-، وإنما أرسله عنه، وإنما سمعه من خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران، قاله علي بن المديني، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن محمد، عن خالد الحذاء"([16])، وقد انتقد الدارقطني على مسلم حديثين آخرين من طريق ابن سيرين، عن عمران، ذكرهما عقب هذا الحديث، ثم قال: "ليس فيه أيضًا سماع محمد، من عمران، وهو يقول في غير حديث: ظننت عن عمران، والله أعلم، ولم يخرج البخاري لابن سيرين، عن عمران شيئًا"([17]).
وقد روى أشعث، عن ابن سيرين بهذا الإسناد حديثًا في السهو أيضًا([18])، ويبعد أن يروي الحديث بهذا الإسناد، بذكر ثلاثة بين ابن سيرين وعمران، إلا وقد حفظه، خاصة أن ابن سيرين يرسل، قال أبو داود: "كان ابن سيرين يرسل، وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحوًا من ثلاثين حديثًا"([19])، وقد ذكر مسلم حديث ابن سيرين، عن عمران في المتابعات، ولم يخرجه في الأصول، فلعله يشير إلى إعلال هذا الإسناد؛ كما نبه في مقدمته([20]).
وقد صحح سماع ابن سيرين من عمران: ابن معين، وأحمد، وغيرهما([21])، لكن هذا لا ينافي أن يكون سمع هذا الحديث منه بواسطة، فإن صحَّ ذلك، فقد رجع الحديث إلى أبي المهلب، عن عمران، والله أعلم.
وللحديث طريق آخر عن عمران خارج الصحيح، وهو طريق: الحسن البصري، عن عمران بن حصين.
وقد اختلف في إسناد الحديث ومتنه على الحسن.
فأما الإسناد؛ فرُوي عنه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: الحسن، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: منصور بن زاذان، وسماك بن حرب، ويونس بن عبيد، وخالد الحذاء، وعلي بن زيد بن جدعان، ومبارك بن فضالة، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وكثير بن شنظير، ويزيد بن إبراهيم التستري، وأبي حمزة إسحاق بن الربيع العطار، والحسن بن دينار، وعطاء بن السائب، وسالم بن عبد الله الخياط، وعمرو بن عبيد، وأيوب السختياني.
وقتادة فيما يرويه حماد بن سلمة، وشعبة، والحكم بن عبد الملك، وسعيد بن أبي عروبة، والأوزاعي.
وحميد الطويل فيما يرويه حماد بن سلمة.
الوجه الثاني: الحسن، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين.
وهو رواية: قتادة فيما يرويه همام بن يحيى، وعثمان بن مقسم، وسعيد بن بشير.
الوجه الثالث: الحسن مرسلًا.
وهو رواية: يحيى بن سعيد الأنصاري وغير واحد من شيوخ مالك، وإسماعيل بن مسلم المكي، وعوف الأعرابي، وحميد الطويل فيما يرويه إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير.
الوجه الرابع: الحسن، لا أعلمه إلا عن أبي هريرة.
وهو رواية: جرير بن حازم.
ومن خلال هذا العرض يتبين أنه قد اختلف على قتادة وحميد الطويل أيضًا.
فأما قتادة؛ فروي عنه على الوجهين الأول والثاني، والوجه الأول هو رواية الأكثر، وفيهم شعبة، وابن أبي عروبة، وهما من أثبت الناس فيه([22])، ومع ذلك فالوجه الثاني عنه لا يبعد أن يكون صحيحًا؛ كما سيأتي.
وأما حميد الطويل؛ فروي عنه على الوجهين الأول والثالث، والأقوى عنه: الأول، فهو من رواية حماد بن سلمة، قال الإمام أحمد: "حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا"، وقال المعلمي اليماني: "نصوص الأئمة تبين أن حمادًا أثبت الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه، أو حين يحول إلى الأصناف التي جمعها"([23])، ولا يبعد أن الوجهين محفوظان عنه، وأنه كان يحدث به على الوجهين.
وأما الحسن البصري؛ فالوجه الأول عنه: هو رواية الأكثر عددًا، وفيهم بعض كبار أصحابه وأهل التثبت فيه؛ كقتادة، ويونس بن عبيد([24]).
وأما الوجه الثالث؛ فيُجاب بأن الحسن قصر به، فكان يرسله أحيانًا.
وأما الوجه الرابع؛ فرواية شاذة تفرد بها جرير بن حازم، والحفاظ من أصحاب الحسن يروونه عن الحسن، عن عمران، والظاهر أن قوله: (ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة) من قول جرير، شكَّ فيه، وجرير ثقة إلا أنه يغلط، ويخطئ إذا حدَّث من حفظه([25])، والظاهر أيضًا أن هذا مما حدث به بمصر، فراويه عنه الليث بن سعد، وقد تقدم أن ما حدث به بمصر فليس بذاك.
والحديث من وجهه الأول لا يصح؛ لانقطاعه بين الحسن، وعمران، فأكثر الأئمة على أن الحسن لم يسمع من عمران منهم: ابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبو حاتم، وغيرهم؛ قال ابن المديني: "سمعت يحيى وقيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران بن حصين؟ فقال: أما عن ثقة فلا"، وقال أيضًا: "الحسن لم يسمع من عمران بن حصين، وليس يصح ذلك من وجه يثبت"، وبنحوه قال الإمام أحمد، وأبو حاتم([26]).
وقد جاء في بعض الأسانيد عن الحسن هنا التصريح بسماعه من عمران، فيما يرويه مبارك بن فضالة، وسالم الخياط، وسماك بن حرب في رواية حفص بن عمران، فأما مبارك بن فضالة فهو صدوق يخطئ([27])، وقد أنكر الإمام أحمد عليه قوله في غير حديث: "عن الحسن: حدثنا عمران"، وأصحاب الحسن غيره لا يقولون ذلك([28])، وأما سالم الخياط فلين الحديث، وقال ابن حبان: "يقلب الأخبار ويزيد فيها ما ليس منها، يجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعًا، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا، لا يحل الاحتجاج به"([29])، وأما رواية سماك؛ فيرويها عنه حفص بن عمران، وهو مجهول الحال، لم أقف إلا على قول البزار فيه: "هو رجل من أهل الكوفة"([30])، والإسناد إليه ليس بذاك، وأصحاب الحسن إنما يروونه عنه عن عمران بالعنعنة، وقد تقدم في كلام الأئمة أن ذلك لا يثبت من وجه يصح عن الحسن.
والظاهر أن الحسن أخذه عن أبي المهلب كما في الوجه الثاني؛ ذكره الإمام أحمد، فقد نقل عبد الله بن أحمد عن أبيه: "حُدثت أنه كان في كتاب همام: عن قتادة، عن الحسن، قال: حدثني عمرو بن معاوية أبو المهلب، عن عمران بن حصين، حديث القرعة".
وقال المروذي: "ذكر أبو عبد الله -يعني: أحمد- حديث أبي المهلب، فقال: قد روى الحسن، عن عمران، ولم يسمعه، وقال يقولون: إنه أخذه من كتاب أبي المهلب"([31]).
فرجع الحديث إلى أبي المهلب أيضًا، ويكون عليه التعويل في رواية هذا الحديث عن عمران، والله أعلم.
وأما المتن؛ فأغلب الرواة يروونه عن الحسن بلفظ: (أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، وليس مال غيرهم، فأقرع رسول الله ﷺ بينهم، فأعتق اثنين، ورد أربعة في الرق).
وقد زاد فيه بعض الرواة ألفاظًا:
الأول: رواه خالد الحذاء، وسماك بن حرب، فيما يرويه عنهما سفيان الثوري في رواية محمد بن يوسف الفريابي فزاد: (لو علمنا ما صلينا عليه، أو ما دفن في مقابرنا)، والظاهر أن هذا من أوهام الفريابي، فقد رواه وكيع بن الجراح، عن الثوري، عن سماك وحده بدونها، ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء وحده بدونها، والفريابي يخطئ على الثوري؛ قال الإمام أحمد: "ما رأيت أكثر خطأ في الثوري من الفريابي"([32]).
بينما رواه منصور بن زاذان، وزاد فيه: (قد هممت ألا أصلي عليه)، ورواه سماك بن حرب فيما يرويه أبو عوانة، وأسباط بن نصر، ويزيد بن عطاء، بلفظ: (لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه)، ورواه علي بن زيد، وعمرو بن عبيد أيضًا، بلفظ: (لو أدركته ما صليت عليه)، ولا يبعد أن تكون هذه اللفظة محفوظة في هذا الحديث؛ وتكون تفسيرًا لما ورد في حديث أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران: (وقال له قولا شديدًا)، وبهذا قال غير واحد من أهل العلم؛ كابن المنذر وغيره، بينما ذهب آخرون إلى أنه أغلظ له القول لإقدامه على إخراج مال قد تعلقت به حقوق الورثة([33])، فالله أعلم.
الثاني: رواه قتادة فيما يرويه الحكم بن عبد الملك البصري وفيه: (ثم دعا بالقداح فأقرع بينهم)، وهذه اللفظة كأنها رُويت بالمعنى، وقد تفرد بذكرها الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، دون سائر أصحابه، وهو ضعيف الحديث([34]).
الثالث: رواه سماك بن حرب فيما يرويه حفص بن عمران وفيه: (مات رجل من المهاجرين)، والمعروف في سائر الروايات أنه كان رجلًا من الأنصار، وقد تقدَّم بيان ضعف هذا الإسناد، والله أعلم.
![]()