الحديث يرويه أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء الأنصاري.
ويرويه عن أبي إسحاق: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وحديج بن معاوية، وإدريس بن يزيد الأودي، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبو خيثمة زهير بن معاوية، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وموسى بن عقبة، وعمار بن رزيق، ويزيد بن عطاء اليشكري، ومحمد بن جابر السحيمي، وإسرائيل بن يونس.
ويرويه عن إدريس الأودي: أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي.
ويرويه عن أبي يحيى التيمي: أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، وعلي بن سعيد الكندي، وعبد الله بن عمر بن محمد بن أبان.
وقد اختلف في إسناد الحديث ومتنه على أبي إسحاق السبيعي، وفي إسناده على أبي يحيى التيمي، وتلميذه أبي سعيد الأشج.
فأما أبو سعيد الأشج؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أبو سعيد الأشج، عن أبي يحيى التيمي، عن إدريس الأودي، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: البزار، وإبراهيم بن عبد الصمد البغدادي، وأبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، وهناد بن السري.
الوجه الثاني: أبو سعيد الأشج، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: محمد بن الحسين بن مرداس الأبلي.
الوجه الثالث: أبو سعيد الأشج، عن أبي يحيى التيمي، عن إدريس الأودي، عن أبي حنيفة، عن أبي إسحاق، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: الحسن بن محمد بن عبد الله بن شعبة.
والصواب عن أبي سعيد الأشج: رواية الحديث على الوجه الأول؛ فهو رواية الجماعة، أما الوجه الثاني فيرويه محمد بن الحسين بن مرداس الأبلي؛ شيخ ابن حبان، ترجم له الإسماعيلي في معجم شيوخه، ووصفه بالفقيه، ولم يزد على ذلك، وروى له حديثًا عن محمد بن إسماعيل الأحمسي([1])، ووقع لنفس الراوي عند الطبراني حديثًا عن الأحمسي، ووصفه الطبراني بالقاضي([2])، ولكن قال فيه أحمد بدل محمد، والظاهر أنهما واحد؛ لاتفاق الطبقة والشيوخ والبلدة، وأيًّا ما كان اسمه، فليس في ترجمته أكثر من ذلك، وما ذُكر غير كاف لبيان حاله، وإن كانت رواية ابن حبان، والطبراني، والإسماعيلي ترفع عنه الجهالة، فإنها لا تكفي في معرفة ضبطه، وقد أخطا هنا، وخالف الجماعة في إسناد هذا الحديث، كما هو مبين.
ومما يدل على خطأ رواية الأبلي هذا: ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم من تفرد أبي يحيى التيمي في روايته عن إدريس الأودي:
قال البزار: "لا نعلم روى هذا الحديث عن إدريس إلا إسماعيل بن إبراهيم".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إدريس الأودي إلا أبو يحيى التيمي".
وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث إدريس بن يزيد الأودي، عن أبي إسحاق السبيعي، تفرد به أبو يحيى التيمي إسماعيل بن إبراهيم".
أما الوجه الثالث، فيرويه الحسن بن محمد وقد خالفت روايته الجماعة في زيادة أبي حنيفة بين الأودي وأبي إسحاق، وإسقاط أبي حبيبة من الإسناد.
والحسن بن محمد بن عبد الله بن شعبة أبو علي البغدادي، وثقه الخطيب، وروى بإسناده عن السهمي، عن الدارقطني أنه قال: لا بأس به، بينما نقل الذهبي عن الضياء المقدسي عن الدارقطني أنه قال: "تكلم فيه من جهة سماعه"([3])، والقول الذي نقله الضياء إنما قاله الدارقطني في الحسن بن محمد بن عنبر أبي علي البغدادي، وليس ابن شعبة هذا، وسبب الوهم فيما يظهر هو انتقال النظر، وذلك أن ترجمة ابن عنبر جاءت في سؤالات السهمي عقب ترجمة ابن شعبة([4])، مع تشابه الراويين في الاسم، واسم الأب، والكنية، والنسب.
فالراجح في حاله أنه صدوق، ومع هذا لا تصح روايته هنا، لمخالفة الجماعة، فروايتهم مقدمة.
وأما أبو يحيى التيمي؛ فقد رُوي عنه الحديث على وجهين:
الوجه الأول: أبو يحيى التيمي، عن إدريس الأودي، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: أبي سعيد الأشج، وعلي بن سعيد الكندي.
الوجه الثاني: أبو يحيى التيمي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان.
والوجه الأول هو الصواب عن أبي يحيى التيمي؛ لأن أبا سعيد الأشج ثقة حافظ، قال أبو حاتم: "إمام أهل زمانه"([5]).
وأما الوجه الثاني؛ فيرويه عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان المعروف بمشكدانة، أحد شيوخ مسلم، وأبي داود([6])، ولكن الراوي عنه: الحسن بن فهد بن حماد، ترجم له الخطيب البغدادي، فقال: "روى عنه أبو علي بن الصواف"، ولم يذكر فيه جرحًا، وترجم له الذهبي، فقال: "شيخ لأبي علي بن الصواف، لا يُعرف، وأتى بخبر باطل رواه عن يحيى بن عثمان الحربي"([7]).
وأبو سعيد الأشج صاحب الوجه الأول اسمه: عبد الله بن سعيد الكندي، ويرويه معه كما مر: علي بن سعيد الكندي، وذلك في مصدر واحد عند الطبراني في الأوسط، والكنديان طبقتهما واحدة، لكن الأول معروف برواية الحديث عن أبي يحيى التيمي، بينما لم أجد للثاني عن أبي يحيى غير ما في الطبراني، فيحتمل أن يكون ما عند الطبراني متصحفًا، ولم أستطع الجزم بشيء من هذا؛ لأن شيخ الطبراني في هذا الحديث: محمد بن عثمان بن أبي شيبة، له رواية عن علي بن سعيد الكندي، فأصبح الاحتمال مرجوحًا مع سعة مخرج الحديث، وتأخر الطبقة.
وأما أبو إسحاق السبيعي؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: أبو إسحاق السبيعي، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وأبي الأحوص سلام بن سليم، وحديج بن معاوية، وإدريس بن يزيد الأودي، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبي خيثمة زهير بن معاوية، وموسى بن عقبة، وعمار بن رزيق، ويزيد بن عطاء اليشكري، ومحمد بن جابر السحيمي، وإسرائيل بن يونس.
الوجه الثاني: أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الدرداء.
وهو رواية: أبي حنيفة النعمان بن ثابت.
والصواب عن أبي إسحاق: رواية الجماعة على الوجه الأول بإثبات أبي حبيبة الطائي في السند، أما الوجه الثاني فيرويه أبو حنيفة، ولا يصح؛ فهو من رواية صالح بن بيان متروك([8])، والهيثم بن عدي وهو أيضًا متروك، وكذبه ابن معين، والبخاري، وغيرهما([9])، والإسناد إليهما ليس بذاك.
وأما المتن؛ فقد اختلف فيه على أبي إسحاق في أكثر من موضع:
الأول: في رواية الجماعة عن أبي إسحاق بلفظ: (مثل الذي يعتق عند الموت)، ورواه إدريس بن يزيد الأودي في بعض الروايات عنه بلفظ: (مثل الذي يتصدق عند موته)، ورواه شعبة، وأبو حنيفة، على الشك بلفظ: (مثل الذي يعتق -أو يتصدق- عند موته).
والراجح: رواية الجماعة، ففيهم الثوري وإسرائيل، وهما من المقدمين في أبي إسحاق([10]).
أما رواية إدريس الأودي؛ فالراوي عنه أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، ضعيف، قال الذهبي: "مجمع على ضعفه"([11])، وقد جاءت عنه أغلب الروايات موافقة لرواية الجماعة بلفظ العتق.
وأما شعبة فقد شك في متنه، قال الإمام أحمد: "كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، وربما وهم في الشيء"، وقال أيضًا: "أخاف أن شعبة لم يكن يقوم على الألفاظ، هو ذا يختلف عليه"، وقال الميموني: "قلت: يا أبا عبد الله، من أكثر غلطًا، شعبة أو سفيان؟ قال: شعبة يغلط في الأسماء، قلت: وسفيان في اللفظ؟ قال: هو أقل غلطًا، ما أقل غلط سفيان"([12]).
وأما رواية أبي حنيفة؛ فقد سبق الكلام عنها.
الثاني: في السائل لأبي الدرداء، قال حديج بن معاوية: (عن أبي حبيبة قال: كنت عند أبي الدرداء وأنا أريد الغزو، فجاءه رجل، فقال: إن أخي مات، وأوصى بطائفة من ماله يتصدق به)، بينما رواه الجماعة عن أبي إسحاق -إلا في رواية عن شعبة- فجعلوا أبا حبيبة هو السائل لأبي الدرداء.
والصواب رواية الجماعة؛ فإن حديج بن معاوية ضعيف([13])، وأما رواية شعبة ففيها: (عن أبي حبيبة الطائي، قال: أوصى رجل بدنانير في سبيل الله ۵، فسُئل أبو الدرداء)، فليست صريحة في أن الذي سأل أبا الدرداء رجل آخر غير أبي حبيبة، فإنها جاءت مبنية لغير المعلوم، وقد جاء عن شعبة نفسه ما يوافق الجمهور، فقال: (عن أبي حبيبة: سألت أبا الدرداء ﭬ عن رجل جعل دراهم في سبيل الله).
الثالث: رواه الأعمش، عن أبي إسحاق فقال: (عن أبي حبيبة قال: أوصى إلي رجل بشيء في سبيل الله، فسألت أبا الدرداء، أأعتق عنه؟ قال: لا، اجعله في الحج فإنه من سبيل الله...)، وذكر الحج لا يوجد في غير رواية الأعمش، وهو من رواية عبد الواحد بن زياد عنه، وقد قال فيه أبو داود: "ثقة، عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها"، وقال ابن حجر: "ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال"([14])، فالراجح رواية الجماعة.
وهذا حديث لا يصح؛ أبو حبيبة الطائي، وقيل: الأزدي -كما في رواية إسرائيل-، سُئل عنه ابن معين، فقيل له: "حديث أبي إسحاق، عن أبي حبيبة، عن أبي الدرداء، من أبو حبيبة؟ فقال: لا أدري"، وذكره ابن حبان في الثقات، على قاعدته المعروفة، وقال المزي: "روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ولا يعرف له راو غيره"، وقال الذهبي: لا يدرى من هو، وقال أيضًا: مجهول([15]).
وأبو إسحاق السبيعي معروف بالرواية عن المجاهيل، قال يعقوب بن شيبة: "قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين، والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين"، وقال ابن عدي: "فإن لأبي إسحاق غير شيخ يحدث عنه لا يُعرف"([16]).
قال البزار: "ولا نعلم له طريقًا عن أبي الدرداء إلا أبو حبيبة الطائي، وأبو حبيبة لا نعلم روى عنه إلا أبو إسحاق الهمداني وحده، ولا نعلم يروى هذا الكلام عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه وحده".
![]()