حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث يرويه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن أبي سعد شرحبيل بن سعد الخطمي، عن أبي سعيد الخدري.

ويرويه عن ابن أبي فديك: أحمد بن صالح المصري، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وإسماعيل بن أبي أويس.

وقد اختلف في متن هذا الحديث على أحمد بن صالح، وفي إسناده ومتنه على دحيم.

فأما أحمد بن صالح؛ فرواه عنه أبو داود السجستاني بلفظ: (لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته)، وقوله: (بمائة) أي: بمائة درهم، كما يفهم من السياق، بينما رواه أبو بكر ابن أبي داود، عن أحمد بن صالح في آخره: (بمائة دينار)، ولم يرد ذكر (الدينار) في هذا الحديث إلا من رواية ابن أبي داود هذه، بل قد رواه دحيم، وإسماعيل بن أبي أويس، عن ابن أبي فديك فقالا فيه: (بمائة درهم) وهذا هو الصواب، والله أعلم.

وأما دحيم، فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: دحيم، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شرحبيل، عن أبي سعيد الخدري.

وهو رواية: الحسن بن سفيان النسوي، وعلي بن أحمد بن أبي طاهر القزويني.

الوجه الثاني: دحيم، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله.

وهو رواية: أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي.

والصواب عن دحيم: رواية الحديث على الوجه الأول؛ فإنه من رواية الحسن بن سفيان وهو ثقة ثبت([1])، ومن رواية علي بن أحمد بن أبي طاهر القزويني، وهو ثقة([2])، لكن الإسناد إليه ليس بذاك، وأما الوجه الثاني فيرويه أبو بكر الباغندي، وقد وثقه بعض أهل العلم، لكن قال فيه إبراهيم الأصبهاني: كذاب، وقال عبد الله بن مظاهر: "لا يكذب، ولكنه شره، يقول فيما لم يسمعه: أخبرنا"، وقال ابن عدي: "وللباغندي أشياء أنكرت عليه من الأحاديث، وكان مدلسًا يدلس على ألوان، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب"، وقال الإسماعيلي: "لا أتهمه بالكذب، ولكنه خبيث التدليس، ومصحف أيضًا"، وقال الدارقطني: "هو مدلس مخلط، يسمع من بعض أصحابه عن شيخ، ثم يسقط ذكر صاحبه، وهو كثير الخطأ"، وقال أحمد بن عبدان: "كان يخلط ويدلس"([3]).

وقد صرح الباغندي هنا بالسماع من دحيم، فقال: حدثنا، فانتفت شبهة تدليسه عن دحيم، لكن القلب لا يطمئن له؛ لأنه كثير الخطأ والتخليط كما تقدم، وفضلًا عن الكلام في الباغندي فإن الراوي عنه هنا هو أبو سعيد أوس بن أحمد بن أوس، ولم أجد له ترجمة، ولا يكاد يُعرف، وعليه فإن الوجه الثاني ضعيف لا يثبت، والله أعلم.

وأما المتن؛ فرواه علي بن أبي طاهر، عن دحيم بلفظ: (لأن يقدم أحدكم ثلاثة دراهم في حياته خير له من أن يتصدق بمائة بعد موته)، فقال فيه: (ثلاثة دراهم)، و(بعد موته)، بينما رواه الحسن بن سفيان، عن دحيم بلفظ: (لأن يتصدق المرء في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة درهم عند موته)، فقال فيه: (بدرهم)، و(عند موته)، وبنحو رواية الحسن بن سفيان جاءت رواية الباغندي، لكن الباغندي ضعيف، والرواي عنه لا يُعرف، كما تقدم.

فالصواب عن دحيم: رواية الحسن بن سفيان؛ فهو ثقة ثبت، كما تقدم، أما ابن أبي طاهر فهو إن كان ثقة كما سبق، إلا أن في الطريق إليه من لم يتبين لي.

والحديث ضعيف؛ فيه شرحبيل بن سعد الخطمي، وثقه ابن معين في رواية، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن ضعفه مالك، وابن معين -في أكثر الروايات عنه-، وابن البرقي، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والنسائي، والدارقطني، وقال رجل لابن إسحاق: "كيف حديث شرحبيل بن سعد؟ فقال: وأحد يحدث عن شرحبيل بن سعد!"، وقال ابن أبي ذئب: "كان متهمًا"، وقال ابن عيينة: "لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه، فاحتاج، فكأنهم اتهموه"، وقال ابن سعد: "اختلط واحتاج حاجة شديدة، وله أحاديث، وليس يحتج به"، وقال ابن عدى: "له أحاديث وليست بالكثيرة، وفى عامة ما يرويه إنكار، على أنه قد حدث عنه جماعة من أهل المدينة من أئمتهم وغيرهم، إلا مالك بن أنس فإنه كره الرواية عنه"([4]).

وعلى ما تقدم من كلام أهل العلم فإن شرحبيل بن سعد ضعيف، والحديث غير ثابت.

ولذلك قال الضياء المقدسي: "وهو من رواية شرحبيل بن سعد الخطمي، وقد تكلم فيه مالك، ويحيى بن معين"([5]).

 

 

Adobe Systems


 

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة