للحديث عن عبد الله بن عباس طريقان:
الطريق الأول: الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس.
ويرويه عن الأرقم: أبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن أبي السفر.
وقد اختلف على الأرقم في إسناد الحديث، وعلى بعض من دونه في إسناد الحديث ومتنه.
فأما أبو إسحاق السبيعي؛ فيرويه عنه: إسرائيل بن يونس، وزكريا بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق.
ويرويه عن إسرائيل: وكيع بن الجراح، وأسد بن موسى، وعبيد الله بن موسى العبسي، وعبد الرحمن بن مهدي، وحجاج بن محمد الأعور، وأبو الحسن علي بن محمد المدائني، ومحمد بن يوسف الفريابي، وبكر بن بكار، وعبد الله بن رجاء.
ويرويه عن زكريا بن أبي زائدة: ابنه يحيى بن زكريا.
وقد اختلف على أبي إسحاق في متنه، وعلى إسرائيل في إسناده، وعلى وكيع، ويحيى بن زكريا في متنه.
فأما وكيع؛ فرواه عنه علي بن محمد الطنافسي بلفظ: (فلما رآه الناس سبحوا بأبي بكر، فذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ: أي مكانك، فجاء رسول الله ﷺ فجلس عن يمينه، وقام أبو بكر)، بينما رواه أحمد بن حنبل عنه بلفظ: (فجاء النبي ﷺ حتى جلس، قال: وقام أبو بكر عن يمينه)، وقد رواه عن وكيع غير واحد مختصرًا، ولم يذكروا هذا الموضع، والصحيح: رواية أحمد؛ فهو إمام حافظ، وهو أجل وأوثق من الطنافسي([1])، فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث: أن النبي ﷺ جاء وقام أبو بكر عن يمينه، وفي الصحيحين من حديث عائشة: (فلما سمع أبو بكر حسه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر)([2]).
وأما يحيى بن زكريا؛ فرواه عنه خلف بن الوليد، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن صالح العجلي، بلفظ: (وقعد النبي ﷺ عن يسار أبي بكر)، أو: (فأومأ إليه أن كما أنت، فجلس إلى جنبه، وأبو بكر عن يمينه)، وخالفهم الفضل بن زياد الواسطي فرواه بلفظ: (فجلس إلى جنب أبي بكر عن يمينه)، والصحيح الأول؛ فهو رواية الأكثر.
وأما إسرائيل؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين؛ رواه الجماعة: وكيع بن الجراح، وأسد بن موسى، وعبيد الله بن موسى العبسي، وعبد الرحمن بن مهدي، وحجاج بن محمد الأعور، ومحمد بن يوسف الفريابي، وبكر بن بكار، وعبد الله بن رجاء: عنه، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس.
وخالفهم أبو الحسن علي بن محمد المدائني، فرواه عنه، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل مرسلًا، والصحيح: رواية الجماعة موصولًا عن ابن عباس، وأبو الحسن المدائني وثقه ابن معين، وقال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث([3]).
وأما أبو إسحاق؛ فقد اختلف عليه في متنه؛ فرواه إسرائيل فيما يرويه وكيع بلفظ: (فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق حصر، ومتى لا يراك يبكي، والناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس، فخرج أبو بكر فصلى بالناس)، وبنحوه رواه أسد بن موسى وغيره، بينما رواه إسرائيل فيما يرويه عبيد الله بن موسى، وأبو الحسن المدائني بلفظ: (قال: فليصل للناس أبو بكر، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل حصر، فقال: ابعثوا إلى عمر، فقال عمر: ما كنت لأتقدم وأبو بكر حي).
ورواه يونس بن أبي إسحاق: بنحو حديث عبيد الله بن موسى، وأبي الحسن المدائني.
والظاهر أن الكل ثابت عن أبي إسحاق، فقد جرت العادة في القصص أن يذكر البعض ما يتركه غيره، ولعل هذا داخل في السياق المطول والسياق المختصر؛ فليس في حديث وكيع ومن تابعه ما يثبت أن النبي ﷺ لم يأمر إلا أبا بكر، أو ينفي أن النبي ﷺ أمر عمر، كما في سياق حديث عائشة في الصحيحين، فقد جاء فيه: أنهم راجعوا النبي ﷺ في ذلك مرات، وأبى أن يصلي بهم إلا أبو بكر، قالت عائشة: (جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقالت له: فقال رسول الله ﷺ: إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس).
وأما عبد الله بن أبي السفر؛ فيرويه عنه: قيس بن الربيع الأسدي.
ويرويه عن قيس: يحيى بن آدم، وأبو سعيد مولى بني هاشم، وعبد الله بن رجاء الغداني، ومحمد بن الصلت الأسدي، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، وأبو بلال الأشعري.
وقد اختلف على عبد الله بن رجاء في متنه، فرواه يعقوب بن سفيان الفسوي، وموسى بن محمد بن حيان البصري، وعلي بن عبد العزيز البغوي، بلفظ: عن العباس قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وعنده نساؤه فاستترن مني إلا ميمونة، فدُق له سعطة فلُدَّ)، أو بنحو ذلك.
وخالفهم محمد بن يونس الكديمي فرواه بلفظ: (دخلت على رسول الله ﷺ وعنده نساء فيهن أسماء، وهي تدق سعطة لها)، فلم يذكر أمر احتجاب نسائه، وعين من كانت تدق السعطة.
ورواية الجماعة هي الصحيحة، أما الكديمي، فمتروك متهم بالكذب([4])، وقد رواه أيضًا أبو غسان النهدي وغيره ممن ذكر هذا اللفظ عن قيس بلفظ: (دخلت على رسول الله ﷺ وعنده نسوة فاحتجبن مني إلا ميمونة، فأخذن سكًّا فدققنه، ثم لددنه به).
وأما الأرقم بن شرحبيل، فقد روي إسناد الحديث عنه على وجهين:
الوجه الأول: الأرقم، عن ابن عباس.
وهو رواية: أبي إسحاق السبيعي.
الوجه الثاني: الأرقم، عن ابن عباس، عن العباس بن المطلب.
وهو رواية: عبد الله بن أبي السفر.
وفي ثبوت الوجهين عن الأرقم نظر، فأبو إسحاق السبيعي في سماعه من الأرقم مقال، قال البخاري: "لم يذكر أبو إسحاق سماعًا منه"([5])، وهو معروف بالتدليس والإرسال([6])، وقد رواه بالعنعنة، ولم يذكر سماعًا.
وعبد الله بن أبي السفر ثقة([7])، لكن تفرد بحديثه قيس بن الربيع، وقيس ضعيف، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به([8]).
قال البزار -وقد ساقه مختصرًا على أمر القراءة-: "لا نعلم رُوي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وقال الدارقطني: "قيس في تحديثه ضعف"([9]).
وقال ابن سيد الناس: "فقيس في الإسناد هو ابن الربيع، وهو من اعتراه من ضعف الرواية وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى وشريكًا، وقد وثقه قوم وضعفه آخرون، ولعله باعتبار حاليه قبل الولاية وبعدها، وأيضًا كان له ابن يدخل عليه ما ليس من حديثه، قال ابن نمير: كان له ابن هو آفته"([10]).
وعلى أية حال فمدار الحديث على الأرقم بن شرحبيل، أخو هزيل بن شرحبيل، وهو مختلف في حاله، وثقه ابن سعد، وأبو زرعة الرازي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: ثقة جليل، ونقل عن أبي إسحاق السبيعي قوله: " كان أرقم بن شرحبيل أخو أبي ميسرة من أشراف الناس وخيارهم".
بينما قال علي بن المديني: "لم يرو عنه غير أبي إسحاق"، وذكره البخاري في الضعفاء، وقال ابن حزم: "ليس بمشهور الحال"([11]).
ووهم ابن الجوزي، فقال: "أرقم بن أبي أرقم، واسم أبي أرقم شرحبيل، يروي عن ابن عباس، قال الرازي([12]): مجهول"، وتبعه على ذلك الذهبي في مواضع، وغيره.
وتعقب ابن الجوزي غيرُ واحد، منهم الضياء المقدسي، فقال: "وهم فيما قال؛ فإن البخاري وغيره جعلوهما اثنين، وأن ابن شرحبيل روى عنه غير واحد، وإنما المجهول: أرقم بن أبي أرقم، لم يرو عنه إلا رجل واحد، ولم يقل أحد في اسم أبي أرقم: شرحبيل، وأظن أن شيخنا ظن ذلك؛ لأنهما يرويان عن ابن عباس، والله أعلم".
وقال مغلطاي: "فيه أمران:
الأول: أن الرازي لم يقل هذا، إنما قائله البخاري، فلعله من الناسخ.
الثاني: أن أرقم بن أبي الأرقم المقول فيه: مجهول، لم يسم أحد أباه شرحبيلًا، إنما سمى الحاكم أباه زيدًا، وهي من فوائده، ولا أعلمها عند غيره رحمه الله تعالى... ثم هما اثنان: ابن شرحبيل عن ابن مسعود، وابن عباس، وهو المذكور أولًا، وابن أبي الأرقم البصري روى عن علي، وابن عباس، روى عنه حميد الخياط، وثقه ابن حبان وغيره، وهو المجهول عند البخاري، كذا فرق بينهما هو وابن أبي حاتم وغيرهما.
ويشبه أن يكون هذا من وهم البصر لا وهم التصرف؛ لأن كلا منهما روى عن ابن عباس، والترجمتان متلاصقتان في التصنيف والخط فتداخلتا، والله أعلم"([13]).
الطريق الثاني: شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس.
يرويه: محمد بن عمر الواقدي، عن عمر بن عقبة الليثي، عن شعبة مولى ابن عباس.
وهذا إسناد واه، الواقدي متروك، ومنهم من رماه بالكذب([14])، وشيخه مجهول؛ لم أجد له ترجمة، وشعبة مولى ابن عباس ليس بالقوي؛ قاله أبو حاتم، والنسائي، وغيرهما([15]).
![]()