الحديث يرويه أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن رجل من بني عذرة.
ويرويه عن أبي قلابة: خالد بن مهران الحذاء، ورجل مبهم.
والرجل المبهم لا يبعد أن يكون هو الحذاء نفسه، فالحديث يرويه عن المبهم: حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف كثير التدليس عن الضعفاء وغيرهم([1])، ولعلَّه أبهمه تدليسًا؛ لكون الحذاء من أقرانه.
وقد اختلف على خالد الحذاء في إسناد هذا الحديث ومتنه.
فأمَّا الإسناد، فرُوي عنه على وجهين:
الوجه الأول: خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عذرة.
وهو رواية: هشيم بن بشير.
الوجه الثاني: خالد الحذاء، عن أبي قلابة مرسلًا.
وهو رواية: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وإسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وعبد الله بن المبارك.
وهشيم وإن كان ثقة ثبتًا([2])، إلا أنه تفرَّد برواية الحديث عن الحذاء على الوجه الأول، والمحفوظ عن الحذاء: رواية الأكثر عن أبي قلابة مرسلًا، هكذا جاء صريحًا في رواية: معمر وابن المبارك، وهو الظاهر من سياق الشافعي لحديث غيرهما، حيث قال: "أخبرني عبد الوهاب، عن خالد، عن أبي قلابة في الرجل من بني عذرة هذا الخبر، وقال: أعتق ثلثه، ليس فيه استسعاء، وذكره ابن علية، والثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، ليس فيه استسعاء".
وسواء كان المبهم في حديث الحجاج بن أرطاة هو الحذاء أو غيره فإن روايته موافقة لرواية الجماعة عن خالد الحذاء.
وأمَّا المتن؛ فرُوي عن خالد الحذاء على وجهين:
الوجه الأول: في آخره: (وأمره أن يسعى في الثلثين).
وهو رواية: هشيم بن بشير، ومعمر بن راشد، وعبد الله بن المبارك.
الوجه الثاني: بدون ذكر الاستسعاء.
وهو رواية: عبد الوهاب الثقفي، وإسماعيل بن علية، وسفيان الثوري.
وقد رجَّح الشافعي رواية الحديث على الوجه الثاني؛ فقال: "أخبرني عبد الوهاب، عن خالد، عن أبي قلابة في الرجل من بني عذرة هذا الخبر، وقال: (أعتق ثلثه) ليس فيه استسعاء، وذكره ابن علية، والثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، ليس فيه استسعاء، وثلاثة أحق بالحفظ من واحد، وابن علية، والثوري، أحفظ من هشيم، ونرى هشيمًا غلط فيه"([3]).
والواقع أن هشيمًا لم ينفرد بذكر الاستسعاء عن خالد الحذاء كما أشار الشافعي، بل تابعه معمر، وابن المبارك، فالوجهان عن خالد الحذاء متكافئان من حيث العدد وحال الرواة، أمَّا رواية الحجاج بن أرطاة عن المبهم، فلا تصلح مرجحًا؛ لأنَّ الحجاج ضعيف يدلس عن الضعفاء كما تقدَّم.
فالظاهر أن خالدًا الحذاء لم يضبط هذا الحديث، فمرَّة يذكر فيه الاستسعاء، ومرَّة لا يذكره، ولعلَّ هذا ناتج عما طرأ عليه من تغيره، قال يحيى بن آدم: "قلت لحماد بن زيد: ما لخالد الحذاء في حديثه؟ قال: قدم علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه"([4]).
وخلاصة الأمر في هذا الحديث: أنه لا يصح؛ لإرساله، ولو كان محفوظًا عن رجل من بني عـذرة فـلا يصـح أيضًا؛ لأنــه مبهـم لا يُعـرف، قـال الشافعـي: "وروى -يعني: من احتج في الاستسعاء- عن رجل، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عذرة، فقيل له: أوثابت حديث أبي قلابة لو لم يخالف فيه الذي رواه عن خالد؟ فقال: من حضره: هو مرسل، ولو كان موصولًا كان عن رجل لم يسم، لا يُعرف، لم يثبت حديثه"([5]).
وقال ابن حزم: "وهو باطل؛ لأنه مرسلٌ، وعن مجهول لا يُدرى من هو أيضًا".
وقال البيهقي: "هذا مرسل".
![]()