حجم الخط:

الحكم على الحديث:

للحديث عن ابن عباس طريقان:

الطريق الأول: عطاء الخراساني، عن ابن عباس.

ويرويه عن عطاء: عبد الملك بن جريج، وعثمان بن عطاء الخراساني، ويونس بن راشد.

وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على عطاء الخراساني، وعلى تلميذه: ابن جريج.

فأما ابن جريج؛ فرُوي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس.

وهو رواية: حجاج بن محمد المصيصي.

الوجه الثاني: ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.

وهو رواية: إسماعيل بن إبراهيم بن شيبة الطائفي.

والراجح الوجه الأول؛ لأنه من رواية حجاج المصيصي، وهو ثقة ثبت، بل هو من أثبت الناس في ابن جرج، قال ابن معين: "قال لي المعلى الرازي: قد رأيت أصحاب ابن جريج بالبصرة، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج"، قال يحيى: "وكنت أتعجب منه، فلما تبينت ذلك إذا هو كما قال، كان أثبتهم في ابن جريج"([1]).

وأما الوجه الثاني فراويه إسماعيل بن إبراهيم الطائفي ضعيف، منكر الحديث عن ابن جريج([2])، وقد استنكر ابن عدي عليه هذه الرواية وغيرها فقال: "يروي عن ابن جريج ما لا يرويه غيره... لا أعلم له رواية عن غير ابن جريج، وأحاديثه عن ابن جريج فيها نظر".

وأما عطاء الخراساني؛ فروي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: عطاء الخراساني، عن ابن عباس.

وهو رواية: ابن جريج، وعثمان بن عطاء الخراساني.

الوجه الثاني: عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس.

وهو رواية: يونس بن راشد الحراني.

وكلا الوجهين لا يخلو من كلام؛ فأما الوجه الأول؛ فمن رواية عثمان بن عطاء وهو ضعيف([3])، وأما ابن جريج فلم يسمع من عطاء الخراساني، قال ابن المديني: "سألت يحيى القطان عن أحاديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف، فقلت ليحيى: إنه يقول: أخبرنا، فقال: لا شيء، كلُّه ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه"([4])، قال أبو مسعود الدمشقي: "وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنما أخذ الكتاب من ابنه اسمه عثمان بن عطاء، ونظر فيه وروى"([5])، فرجع الحديث إلى عثمان بن عطاء.

وأما الوجه الثاني؛ فمن راوية يونس بن راشد، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولخصَّ حاله ابن حجر بقوله: صدوق([6]).

والوجه الأول هو المشهور؛ قال عبد الحق الإشبيلي: "رواه ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وعطاء هذا لم يدرك ابن عباس، ولم يره، وقد وصله يونس بن راشد، فرواه عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، والمقطوع هو المشهور"([7]).

وهذا المشهور منقطع؛ فعطاء لم يسمع من ابن عباس، وبذلك أعلَّه أبو داود؛ فقال عقبه: "عطاء الخراساني لم يدرك ابن عباس، ولم يره"، وبهذا قال ابن معين، وأحمد، والدارقطني، وغيرهم([8]).

ولو ثبت وجود عكرمة في الإسناد، فإن الحديث لا يثبت أيضًا؛ لأن عطاء متكلم فيه؛ ضعفه شعبة، والشافعي، والبخاري، وأبو زرعة، والعقيلي، وابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، وأبو عبد الله الحاكم، والبيهقي، والخطيب، وغيرهم، بينما أطلق توثيقه عدد من أهل العلم؛ كابن معين، وأحمد، وابن سعد، والنسائي، والترمذي، وأبو حاتم، وغيرهم([9])، والراجح ضعفه لأمرين:

الأول: أن من جرحه أكثر ممن عدله، وجرحهم مفسر فهو المقدم كما هو معروف.

الثاني: أن توثيق من وثقه إما أن يحمل على العبادة والتدين، حيث أثنى عليه بعض من تكلم فيه في عبادته وفضائله، كثناء ابن حبان عليه في فضائله مع أنه ذكره في المجروحين، وكقول الدارقطني: ثقة في نفسه يهم([10])، ونحو ذلك، وإما أن يحمل هذا التوثيق على رواية مالك عنه، فقد كانوا يوثقون الراوي برواية مالك عنه، وهذا معروف عن أحمد، وابن معين، وغيرهم([11]).

وقد أعلَّ البيهقي هذا الطريق من وجهيه، فساقه من طريق ابن جريج بالوجه الأول وذكر الانقطاع، ثم ساقه من الوجه الثاني، وقال: "عطاء الخراساني غير قوي"([12])، وبناء على ما سبق فالحديث لا يثبت من هذا الطريق.

الطريق الثاني: طاوس، عن ابن عباس.

ويرويه عن طاوس: ابنه عبد الله بن طاوس، وهشام بن حجير.

وقد اختلف في إسناده على عبد الله بن طاوس، فروي عنه على وجهين:

الوجه الأول: عبد الله بن طاوس، عن أبيه مرسلًا.

وهو رواية: سفيان بن عيينة.

الوجه الثاني: عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس.

وهو رواية: محمد بن مسلم الطائفي.

والراجح عن ابن طاوس رواية الحديث على الوجه الأول؛ لجلالة صاحبه وإمامته، ولموافقته رواية ابن حجير، فقد رواه أيضًا عن طاوس مرسلًا.

أما محمد بن مسلم الطائفي صاحب الوجه الثاني؛ فالإسناد إليه لا يثبت، فقد جاء من رواية أبي هارون إسماعيل بن محمد بن يوسف، عن زكريا بن نافع الأرسوفي، عنه، ومن رواية عبد الله بن محمد بن ربيعة بن قدامة القدامي، عنه.

فأما أبو هارون إسماعيل بن محمد بن يوسف فمتهم، قال ابن حبان: "يسرق الحديث لا يجوز الاحتجاج به"، واستنكر عليه هذا الحديث حيث ذكره في ترجمته([13]).

وأما القدامي؛ فضعيف جدًّا، ضعفه ابن حبان، والدارقطني، وابن عدي، واستنكر عليه هذا الحديث حيث قال: "هذا حديث غريب من هذا الطريق، لا أعلم رواه غير القدامي"، وختم ترجمته بقوله: "وعامة حديثه غير محفوظة، وهو ضعيف على ما تبين لي من رواياته واضطرابه فيها، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره".

وبناء على هذا يكون هذا الطريق ضعيفًا؛ لإرساله، ولا يثبت عن ابن عباس في هذا الباب حديث.

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة