الحديث يرويه الزهري، عن عبد الرحمن بن أبي لبابة، عن أبي لبابة.
ويرويه عن الزهري: إسماعيل بن أمية، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وعثمان بن حفص، ويونس بن يزيد، وابن جريج، ومحمد بن أبي حفصة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وأسامة بن زيد الليثي، وشعيب بن أبي حمزة، وإسماعيل بن علية.
ويرويه عن عثمان بن حفص: مالك بن أنس.
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على الزهري، كما اختلف في إسناده على مالك بن أنس.
فأمَّا مالك، فرُوي عنه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: مالك، عن عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة، عن الزهري مرسلًا.
وهو رواية: يحيى بن يحيى الليثي، وعبد الرحمن بن القاسم، وسويد بن سعيد الحدثاني، وأبي مصعب الزهري.
الوجه الثاني: مالك، أنه بلغه أن أبا لبابة، لم يذكر عثمان ولا الزهري.
وهو رواية: عبد الله بن يوسف التنيسي.
الوجه الثالث: مالك، عن عمر بن حفص بن عمر بن خلدة، عن الزهري مرسلًا.
وهو رواية: يحيى بن عبد الله بن بكير.
والأرجح عن مالك: الوجه الأول؛ لأنه رواية الأكثر، فأمَّا الوجه الثاني فلعلَّ مالكًا كان يقصر به أحيانًا فلا يذكر إسناده.
وأما الوجه الثالث؛ فقد وهم ابن بكير -أو من دونه- فسمى شيخ مالك: عمر بن حفص، قال ابن عبد البر: "هكذا قال فيه العقيلي: عن يحيى بن أيوب، عن ابن بكير: عمر بن حفص، وأدخله في باب عمر من تاريخه الكبير، وهذا غلط فاحش، ولا يُعرف عمر بن حفص بن خلدة في هذا الحديث ولا غيره، وإنما يُعرف عمر بن خلدة جد عثمان شيخ مالك على ما قدمنا ذكره، فابن بكير وهم حين جعل في موضع عثمان: عمر، والعقيلي أيضًا جهل ذلك فأدخله في باب عمر، ولم يُبين أمره، وليس هذا الحديث عند ابن بكير في الموطأ، ولا أحد من رواة الموطأ".
وابن بكير متكلمٌ فيه، وتكلموا أيضًا في روايته عن مالك([1]).
وأمَّا الزهري، فرُوي عنه إسناد الحديث على اثني عشر وجهًا:
الوجه الأول: الزهري، عن عبد الرحمن بن أبي لبابة، عن أبي لبابة.
وهو رواية: إسماعيل بن أمية فيما يرويه الوليد بن عمرو بن ساج، وسعيد بن مسلمة في رواية عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وبشر بن خالد العسكري.
الوجه الثاني: الزهري، عن عبد الرحمن بن أبي لبابة مرسلًا.
وهو رواية: إسماعيل بن أمية فيما يرويه سعيد بن مسلمة في رواية علي بن ميمون الرقي.
الوجه الثالث: الزهري، عن ابن كعب بن مالك مرسلًا.
وهو رواية: معمر بن راشد فيما يرويه الواقدي، وعبد الرزاق في رواية محمد بن المتوكل العسقلاني.
وسفيان بن عيينة فيما يرويه عبيد الله بن عمر القواريري، وسعيد بن منصور، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي.
الوجه الرابع: الزهري مرسلًا.
وهو رواية: عثمان بن حفص، ومعمر بن راشد فيما يرويه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري، ومحمد بن ثور، وعبد الرزاق في رواية إسحاق بن إبراهيم الدبري -راوي المصنف-، وسلمة بن شبيب -راوي التفسير-، وإسحاق بن راهويه.
وابن جريج فيما يرويه عبد الرزاق.
الوجه الخامس: عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه.
وهو رواية: إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة فيما يرويه يحيى بن عبد الحميد الحماني.
الوجه السادس: الزهري، عن بعض بني السائب بن أبي لبابة مرسلًا.
وهو رواية: يونس بن يزيد، وأسامة بن زيد.
الوجه السابع: الزهري، عن الحسين بن السائب بن أبي لبابة مرسلًا.
وهو رواية: ابن جريج فيما يرويه روح بن عبادة.
ومحمد بن الوليد الزبيدي فيما يرويه محمد بن حرب في رواية كثير بن عبيد، وحيوة بن شريح.
الوجه الثامن: الزهري، عن الحسين بن السائب بن أبي لبابة، عن أبيه، قال: (لما تاب الله على أبي لبابة، قال أبو لبابة: جئت النبي ﷺ فقلت: إني أهجر دار قومي...).
وهو رواية: محمد بن أبي حفصة فيما يرويه عبد الله بن المبارك.
الوجه التاسع: الزهري، عن حسين بن السائب بن أبي لبابة أو غيره نحو سابقه.
وهو رواية: محمد بن أبي حفصة فيما يرويه سعدان بن يحيى اللخمي.
الوجه العاشر: الزهري، عن حسين بن السائب بن أبي لبابة، عن جده.
وهو رواية: محمد بن الوليد الزبيدي فيما يرويه محمد بن حرب في رواية الربيع بن روح، ومحمد بن مصفى.
الوجه الحادي عشر: الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
وهو رواية: شعيب بن أبي حمزة.
الوجه الثاني عشر: الزهري، عن ابن أبي لبابة، عن أبيه.
وهو رواية: إسماعيل بن علية.
من خلال هذا العرض يظهر أنه قد اختلف أيضًا على بعض تلاميذ الزهري، وعلى بعض من دونهم، وهم: سعيد بن مسلمة تلميذ إسماعيل بن أمية، ومعمر، وابن عيينة، وابن جريج، ومحمد بن أبي حفصة، ومحمد بن حرب تلميذ الزبيدي.
فأمَّا سعيد بن مسلمة؛ فرُوي عنه على الوجهين الأول والثاني، والصحيح عنه: الوجه الأول، وهو رواية دحيم والعسكري، ودحيم ثقة حافظ([2])، بل رواه أيضًا هكذا الوليد بن عمرو بن ساج عن إسماعيل بن أمية، ولا يبعد أن يكون هناك سقط في رواية علي بن ميمون انتج الوجه الثاني، ففيها: (عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أبي لبابة، أنه أخبره: أن أبا لبابة ﭬ لما رضي عنه رسول الله...)، بدلًا من: (عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أبي لبابة، أن أبا لبابة ﭬ أخبره: أنه لما رضي عنه رسول الله ﷺ)، فالله أعلم.
وأما معمر؛ فرواه عنه أبو سفيان المعمري، ومحمد بن ثور، وعبد الرزاق فيما يرويه إسحاق بن إبراهيم الدبري -راوي المصنف-، وسلمة بن شبيب -راوي التفسير-، وإسحاق بن راهويه على الوجه الرابع.
ورواه عنه الواقدي، وعبد الرزاق فيما يرويه محمد بن المتوكل على الوجه الثالث.
والصواب عن عبد الرزاق: رواية الجماعة على الوجه الرابع؛ فمحمد بن المتوكل العسقلاني تكلَّم فيه غيرُ واحد من الأئمة لسوء حفظه، ووصفوه بكثرة الغلط والوهم، فقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث، وقال ابن وضاح: كان كثير الحفظ، كثير الغلط، وقال مسلمة بن قاسم: كان كثير الوهم، وكان لا بأس به، وقال ابن عدي: كثير الغلط([3]).
ولعلَّه دخل له حديثٌ في حديثٍ، فقد روى عبد الرزاق أيضًا عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه؛ قصة توبة كعب بن مالك وفيها: (يا نبي الله، إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال النبي ﷺ: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك)([4])، دون ذكر الثلث، قال البيهقي: "هو بهذا اللفظ في قصة أبي لبابة، فأمَّا ما قال لكعب بن مالك فغير مقدر بالثلث".
وبهذا ينحصر الخلافُ على معمر، فيما رواه عنه عبد الرزاق، وأبو سفيان المعمري، ومحمد بن ثور على الوجه الرابع عن الزهري مرسلًا، وما رواه الواقدي على الوجه الثالث عن الزهري، عن ابن كعب مرسلًا، والصحيح عن معمر: رواية الجماعة بالوجه الرابع، وأمَّا الواقدي فمتروكٌ متهم([5]).
وأمَّا ابن عيينة، فرُوي عنه على الوجهين الثالث والخامس، والصحيح عنه: الوجه الثالث؛ فهو رواية الجماعة، أمَّا الوجه الخامس فقد تفرَّد به عنه الحماني وهو متكلمٌ فيه، ومتهم بسرقة الحديث([6]).
وأمَّا ابن جريج، فرواه عنه عبد الرزاق -مقرونًا بمعمر- على الوجه الرابع: عن الزهري مرسلًا، وخالفه روح بن عبادة فرواه عنه على الوجه السابع: عن الزهري، عن الحسين بن السائب بن أبي لبابة مرسلًا، ويبدو أن الوجهين محفوظان عن ابن جريج، فعبد الرزاق وروح ثقتان ثبتان، وقد رُوي الحديث أيضًا من غير طريق ابن جريج عن الزهري على كلا الوجهين، والله أعلم.
وأمَّا محمد بن أبي حفصة، فرُوي عنه على الوجهين الثامن والتاسع، والصحيح عنه: رواية عبد الله بن المبارك بالوجه الثامن؛ فابن المبارك أحفظ وأجل من سعدان بن يحيى اللخمي، ولم يشك فيه، فروايته أصح.
وأمَّا محمد بن حرب الأبرش تلميذ الزبيدي، فرُوي عنه الحديث على الوجهين السابع والعاشر، والصحيح عنه: الوجه السابع؛ وهو ما رواه كثير بن عبيد، وحيوة بن شريح عنه عن الزبيدي: عن الزهري، عن الحسين بن السائب بن أبي لبابة مرسلًا، وأمَّا ما رواه الربيع بن روح عنه، وفيه: عن الزهري، عن حسين بن السائب بن أبي لبابة، أن جدَّه حدَّثه: (أن أبا لبابة حين تاب...) فغريبٌ لم يتابع عليه، وقد رواه ابن أبي عاصم، عن محمد بن مصفى فشكَّ فيه، فقال: عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن حسين بن السائب بن أبي لبابة، أن جدَّه، أو عن جدِّه، ولعلَّ الصواب فيها: أنَّ جدَّه أبا لبابة؛ كما في رواية كثير بن عبيد وحيوة، والله أعلم.
والصحيح عن الزهري من ذلك فيما يظهر: ما رواه عثمان بن حفص، ومعمر، وابن جريج على الوجه الرابع عن الزهري مرسلًا، وما رواه يونس بن يزيد، وأسامة بن زيد على الوجه السادس عن الزهري، عن بعض بني السائب بن أبي لبابة مرسلًا، وما رواه ابن جريج، ومحمد بن الوليد الزبيدي على الوجه السابع عن الزهري، عن الحسين بن السائب بن أبي لبابة مرسلًا، فلا تعارض بينها؛ فالزهري كان يرسله تارة، ويذكر شيخه ويسميه تارة، ويبهمه تارة يقول: عن بعض بني السائب، ولعلَّ ذلك لعدم شهرته؛ وذلك أن حسينًا هذا مجهول لا يكاد يعرف كما سيأتي.
ولا يبعد أيضًا أن يكون الوجه الحادي عشر محفوظًا أيضًا، وهو ما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وقد صحَّ السند إليه، وشعيبٌ من أثبت الناس في الزهري([7])، ثم إن سياقه للقصة مطولا، يؤكد أنه قد حفظه.
وهذه الأوجه كلُّها مرسلة لا تصح، وحسين بن السائب بن أبي لبابة مجهولٌ، ترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكراه بجرح ولا تعديل، وقد ترجمه البخاري بهذا الحديث وساق بعض أوجه الاختلاف على الزهري فيه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن أبيه المراسيل([8]).
وأمَّا بقية الأوجه عن الزهري فلا يصحُّ منها شيءٌ:
فأمَّا الوجه الأول؛ فتفرَّد به إسماعيل بن أمية الأموي، ويرويه عنه سعيد بن مسلمة الأموي، والوليد بن عمرو بن ساج، وكلاهما ضعيفٌ([9]).
وأمَّا الوجه الثالث؛ فتفرَّد به ابن عيينة وكان قد تغيَّر بأخرة([10])؛ ولعلَّه دخل له حديث كعب بن مالك في حديث أبي لبابة، فقد رواه هكذا: عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك: (أن أبا لبابة بن عبد المنذر أو كعب بن مالك قال: يا رسول الله...)، مع الشك في هل القصة لكعب أو لأبي لبابة، وهذا اللفظ لفظ أبي لبابة، والحديث محفوظ في الصحيحين من حديث الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك، بدون ذكر الثلث؛ كما تقدَّم.
قال الذهبي: "رواه أبو داود من حديث معمر وابن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه بنحو منه، وهو حديث معلل الإسناد"([11]).
وأمَّا الوجه الخامس والثاني عشر؛ فقد ذكره ابن عبد البر معلقًا عن إبراهيم بن إسماعيل بن علية، عن أبيه، عن الزهري، عن ابن لكعب بن مالك، عن أبيه، وعن ابن أبي لبابة، عن أبيه.
وهو مع كونه معلقًا، فإبراهيم بن إسماعيل بن علية جهميٌّ هالك، ليس بشيء؛ كما قال ابن معين([12])، وأيضًا ابن علية غير معروف بالرواية عن الزهري، وإنما يروي عنه بواسطة.
وأمَّا الوجه الثامن؛ فتفرَّد به محمد بن أبي حفصة، وليس بقوي في الزهري([13])، وهو مختلفٌ فيه، ولخصَّ حاله الحافظ ابن حجر فقال: صدوق يخطئ([14]).
قال البيهقي: "مختلف في إسناده، ولا يثبت موصولًا"([15]).
وقال ابن عبد البر: "ولا يتصل حديث أبي لبابة فيما علمت ولا يستند، وقصته مشهورة في السير محفوظة".
وقال أيضًا: "وأصل مالك فيما ذهب إليه في هذا الباب حديث أبي لبابة هذا، وهو حديث منقطع لا يتصل إسناده إلا على ما ذكرنا والله أعلم، وفيه حديث كعب بن مالك في معنى حديث أبي لبابة، وهو حديث متصل صحيح"([16]).
ولم يختلف على الزهري في متن الحديث، بل اتفق الرواة عنه على معناه، لكنهم اختلفوا هل كان سبب التوبة التخلف عن غزوة تبوك، أو قصة بني قريظة، فرواية معمر فيما يرويه عبد الرزاق، ومحمد بن ثور فيها: (كان أبو لبابة ممن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك)، وفيما يرويه أبو سفيان المعمري فيها: (عن الزهري: قوله: { لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ } [الأنفال:27] قال: نزلت في أبي لبابة، بعثه رسول الله ﷺ فأشار إلى حلقه أنه الذبح...)، يعني: قصة بني قريظة.
والذي يظهر أن توبته كانت بسبب الأمرين جميعًا، فرواية الزبيدي فيها: (أن أبا لبابة حين تاب الله عليه في تخلفه عن رسول الله ﷺ، وفيما كان سلف قبل ذلك من أمور وجد عليه فيها رسول الله ﷺ...).
ورواية شعيب بن أبي حمزة جاءت مطولة، وفيها الأمران أيضًا: (أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة، فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا لبابة، أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، فأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك، فقال له: لم تر عيني، فقال رسول الله ﷺ: أحسبت أن الله تعالى غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك، فلبث حينًا ورسول الله ﷺ عاتب عليه، ثم غزا رسول الله ﷺ تبوك، وهي غزوة العسرة، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف...)، والله أعلم.
![]()