الحديث يرويه مكحول الشامي، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن أبي بكر الصديق.
ويرويه عن مكحول: ثور بن يزيد الكلاعي، وبرد بن سنان الشامي، وزيد بن واقد الدمشقي.
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على مكحول، وعلى أحد الرواة عنه، وهو: ثور بن يزيد.
فأما ثور بن يزيد؛ فرُوي الإسناد عنه على وجهين:
الوجه الأول: ثور بن يزيد، عن مكحول، عن الصنابحي، عن أبي بكر.
وهو رواية: حفص بن عمر بن ميمون.
الوجه الثاني: ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي بكر موقوفًا.
وهو رواية: عبد الله بن داود الخريبي.
فأما الوجه الأول، فلا يصح؛ تفرد بروايته عن ثور: حفص بن عمر بن ميمون، قال ابن عدي: "لا أعلم يرويه عن ثور غير حفص بن عمر"، وقال الدارقطني: "تفرد به أبو إسماعيل الأبلي -واسمه: حفص بن عمر بن ميمون-، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن الصنابحي"([1]).
هكذا سماه الدارقطني، وقد سبقه العقيلي إلى هذه التسمية، ذاكرًا هذا الحديث في مناكيره، وترجمه بهذا المسمى أيضًا ابن أبي حاتم، وزاد: والد إسماعيل بن حفص، وعقدا ترجمة أخرى قالا فيها: حفص بن عمر العدني، يعرف بالفرخ، لم يزيدا في التعريف به على هذا، ولم يذكرا له علاقة بثور بن يزيد.
بينما قال ابن عدي: "حفص بن عمر بن ميمون العدني، يلقب فرخا، يكنى أبا إسماعيل"، وساق هذا الحديث في ترجمته، وكل حديث مستنكر جاء باسم: حفص بن عمر بن ميمون، وقال في ترجمة الآخر: "حفص بن عمر بن دينار أبو إسماعيل الأبلي"، وذكر عددًا مما استنكر من حديثه عن ثور وغيره، بعضها مميز بأبي إسماعيل، وبعضها بالأبلي، وجاء في أحدها: "حدثنا محمد بن يونس، حدثنا حفص بن عمر بن دينار الأبلي، حدثنا ثور".
والصحيح رأي الجماعة خلافًا لما ذهب إليه ابن عدي، فالظاهر أن ميمونًا جد للأبلي، وكذا دينار على فرض صحة الرواية، وكذا التكنية، وذلك للأمور التالية:
الأول: كل من ترجم للعدني لم يذكر اسم جده، ولم يزد في التعريف به على ما سبق، كالبخاري، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، والخطيب([2])، وهذا يعني: أنه غير معروف الجد عند أصحاب التراجم.
الثاني: إن كان ابن عدي اعتمد في كون دينار جد للأبلي على الإسناد السابق عن محمد بن يونس الكديمي، فالكديمي متكلم فيه، ويقابله إسناد هذا الحديث -عند العقيلي- والذي فيه التصريح بأن ميمونًا جد الأبلي لا للعدني، وأيضًا ما جاء عند الطبراني من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، حدثنا حفص بن عمر بن ميمون الأبلي، حدثنا ثور([3]).
الثالث: كنية الأبلي أبو إسماعيل من غير خلاف يذكر، أما العدني فذكر ابن عدي ومن تابعه أنه أبو إسماعيل، وذكر آخرون أنه أبو عمر، قال مغلطاي: "ولما ذكر الحاكم أبو أحمد، والنسائي، وابن مخلد، أبا إسماعيل الأبلي لم يعرفه أحد منهم بالفرخ، ولا يقارب نسبته، ولما ذكر الحاكم الفرخ كناه أبا عمر، وفي كتاب الشيرازي: فرخ حفص بن عمر أبو عمر الصنعاني، من صنعاء دمشق"([4]).
الرابع: الأبلي معروف بالرواية عن ثور، بخلاف العدني فلم يأت في شيء من الروايات فيما وقفت عليه: حفص بن عمر العدني، عن ثور، إلا عند ابن عدي، وهذا بسبب تعيينه حفص بن عمر بن ميمون بالعدني.
الخامس: إسماعيل بن حفص الأبلي، راو معروف، وقفت له على إسناد عند ابن خزيمة، وعند الحاكم باسم: إسماعيل بن حفص بن عمر بن ميمون([5])، وترجمه ابن أبي حاتم، وابن حبان: إسماعيل بن حفص بن عمر بن ميمون الأبلي([6]).
وعلى أية حال فالعدني الملقب بالفرخ ضعيف الحديث، أما الأبلي فضعيف جدًّا، وكذبه أبو حاتم، والساجي([7])، وقد ضعف الحديث بحفص غير واحد من أهل العلم:
قال العقيلي بعد ذكر هذا الحديث وغيره: "هذه كلها أباطيل لا يتابع عليها، وحفص بن عمر هذا يحدث، عن شعبة، ومسعر، ومالك بن مغول، والأئمة بالبواطيل".
وقال ابن حزم: "أما خبر أبي بكر؛ فمن طريق حفص بن عمر الشامي، وهو متروك"([8]).
وقال ابن القيسراني: "ولا أعلم يرويه عن ثور غير حفص هذا، وهو غير ثقة"([9]).
فالصواب عن ثور: الوجه الثاني، فعبد الله بن داود الخريبي ثقة([10])، إلا أنه لا يثبت عن أبي بكر الصديق؛ فشيخ ثور وهو خالد بن معدان وإن كان ثقة؛ إلا أنه يرسل كثيرًا([11])، وروايته عن أبي بكر منقطعة، فهو لم يسمع ممن مات بعد أبي بكر؛ كمعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وعائشة وغيرهم، فمن باب أولى لم يسمع من أبي بكر الصديق([12])، وبهذا يتبين أنه لا يثبت عن أبي بكر الصديق من هذا الوجه الموقوف، والله أعلم.
وأما مكحول؛ فرُوي عنه إسناد الحديث على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: مكحول، عن معاذ بن جبل موقوفًا.
وهو رواية: برد بن سنان فيما يرويه عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي.
الوجه الثاني: مكحول، عن الصنابحي، عن أبي بكر.
وهو رواية: برد بن سنان فيما يرويه محمد بن سليمان الحراني.
الوجه الثالث: مكحول مرسلًا.
وهو رواية: زيد بن واقد الدمشقي.
ومن خلال هذا العرض يتبين أنه قد اختلف على برد بن سنان أيضًا؛ فروي عنه على الوجهين الأول والثاني.
والصحيح عن برد: الوجه الأول، فهو من رواية عبد الأعلى بن عبد الأعلى وهو ثقة([13])، بينما الوجه الثاني من رواية محمد بن سليمان الحراني، المعروف ببومة، وثقه أبو داود الحراني، ومسلمة بن القاسم، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وضعفه الدارقطني، وقال الذهبي: تفرد بالرواية عن جماعة قدماء([14])، ومن هذا حاله لا يتحمل التفرد، فكيف وقد خولف ممن هو أوثق منه وأثبت.
وبهذا ينحصر الخلاف على مكحول فيما رواه برد بن سنان بالوجه الأول، وما رواه زيد بن واقد بالوجه الثالث، والصحيح عنه: الوجه الأول عن معاذ موقوفًا؛ فزيد بن واقد وإن كان أجل وأوثق من برد بن سنان، بل سُئل دحيم: أي أصحاب مكحول أعلى، فذكر جماعة، ثم قال: "لكن زيد بن واقد من كبارهم"([15])، إلا أنه قد جاء حديثه من رواية مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك الحديث([16]).
وهو لا يصح عن معاذ موقوفًا أيضًا؛ فمكحول لم يسمع من معاذ، قال أبو حاتم: "سألت أبا مسهر هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي ﷺ؟ قال: ما صح عندنا إلا أنس بن مالك، قلت: واثلة بن الأسقع؟ فأنكره"([17])، والله أعلم.
![]()