حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث في الصحيحين من طريق إبراهيم بن يزيد النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة.

ويرويه عن إبراهيم: عبد الله بن عون، والحسن بن عبيد الله النخعي، وحماد بن أبي سليمان.

وقد اختلف على إبراهيم في إسناده، وعلى ابن عون في متنه.

فأما إبراهيم، فروي إسناد الحديث عنه على وجهين:

الوجه الأول: إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.

وهو رواية: عبد الله بن عون.

الوجه الثاني: إبراهيم مرسلًا.

وهو رواية: الحسن بن عبيد الله النخعي، وحماد بن أبي سليمان.

وعند النظر في هذا الاختلاف تظهر أصحية الوجه الأول؛ وذلك أن راويه ثقة ثبت، وقد سأل عثمان الدارمي ابن معين: ابن عون فيما روى عن إبراهيم، والشعبي؟ فقال: "هو في كل شيء ثقة"([1]).

أما الوجه الثاني، فرواه حماد بن أبي سليمان مرسلًا مختصرًا بلفظ: (قبض رسول الله ولم يوص، وقبض وهو مستند إلى صدر عائشة).

وحماد سيء الحفظ، كثير الخطأ والوهم، قال شعبة: "كان حماد بن أبي سليمان لا يحفظ"، قال ابن أبي حاتم: "يعني: أن الغالب عليه الفقه، وأنه لم يُرزق حفظ الآثار"، وقال أبو حاتم الرازي: "هو صدوق، ولا يحتج بحديثه، هو مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوش"، وقال ابن عدي: "وحماد كثير الرواية خاصة عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد وغرائب"([2])، ويرويه عنه عبد الرحمن بن جريس وهو مجهول الحال، ترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكراه بجرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في الثقات([3]).

ورواه أيضًا الحسن بن عبيد الله النخعي مرسلًا، وروايته محفوظة فيما يظهر، فهو ثقة، وثقه يحيى القطان، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم([4])، وسياق حديثه عن إبراهيم يدل على أنه خرج مخرج الفتوى لا الرواية، حيث قال: (ذُكر له أن زبيرًا وطلحة كانا يشددان في الوصية على الرجال، فقال: وما كان عليهما ألا يفعلا؟ تُوفي رسول الله فما أوصى، وأوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس)، والله أعلم.

وأما ابن عون، فقد جاء متن الحديث عنه على ثلاثة أوجه:

الوجه الأولى: بلفظ: (فدعا بالطست)، بدون بيان السبب لذلك.

وهو رواية: إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وأزهر بن سعد السمان فيما يرويه عبد الله بن محمد المسندي.

الوجه الثاني: بلفظ: (دعا بطست؛ ليبول فيها).

وهو رواية: محمد بن عبد الله الأنصاري، ومعاذ بن معاذ العنبري، وأزهر بن سعد السمان فيما يرويه عمرو بن علي الفلاس، وعباس بن محمد الدوري، ويزيد بن سنان، والحسن بن علي الحلواني.

الوجه الثالث: بلفظ: (دعا بطست فبال فيها).

وهو رواية: وهيب بن خالد، وسليم بن أخضر، وأزهر بن سعد السمان فيما يرويه أحمد بن عبدة، ونصر بن علي الجهضمي.

والذي يظهر أن الأوجه الثلاثة محفوظة عن ابن عون؛ وذلك أن رواتها جميعًا ثقات؛ وقد جاءت الألفاظ جميعًا من حديث أزهر بن سعد السمان، وقد رواه على الوجه الثالث أيضًا عن ابن عون: وهيب، وسليم بن أخضر، وسليم من أثبت الناس فيه، وقد قيل لابن عون: من أصحابك؟ فقال: "سليم سليم، وأزهر أزهر".

قال سليمان بن حرب: "حدثنا سليم بن أخضر، وكان في ابن عون كحماد بن زيد في أيوب".

وقال ابن سعد: "سليم بن أخضر كان ألزمهم لعبد الله بن عون، وكان ثقة".

وقال ابن معين: "لم يكن أحد أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سليم بن أخضر"، وقال أيضًا: "أروى الناس عن ابن عون، وأعرفهم به: أزهر".

وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: "لم يكن في أصحاب ابن عون مثل سليم"، فقيل لأحمد: أزهر ليس مثله؟ قال: "اليوم ليس، قد كان بعد، إذ ذاك سليم وأزهر"، وقال أحمد أيضًا: "أروى الناس عن ابن عون: سليم بن أخضر، وأزهر السمان"([5]).

ورواه على الوجه الثاني أيضًا: محمد بن عبد الله الأنصاري، ومعاذ بن معاذ، وقد سأل عثمان الدارمي ابن معين، فقال: "أزهر السمان، كيف حديثه؟ فقال: ثقة، قلت: فمعاذ بن معاذ؟ فقال: ثقة، قلت: أيهما أثبت في ابن عون؟ فقال: ثقتان"([6]).

فسبب دعوته للطست؛ ليبول فيه، وقد بال فيه، ولذلك بوَّب عليه النسائي، وابن خزيمة، والبيهقي، وغيرهما: باب البول في الطست، أو بنحو من ذلك، وقال ابن المنذر: "ثابت عن النبي أنه بال في طست"، والله أعلم.

تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: "وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه: (قيل لعائشة: إنهم يزعمون أنه أوصى إلى علي، فقالت: ومتى أوصى إليه؟! وقد رأيته دعا بالطست؛ ليتفل فيها)([7])، هكذا وقع في كلامه: (ليتفل فيها)، ولم أقف على هذا اللفظ في شيء من الروايات، فيحتمل أمران:

الأول: أنها مصحفة من: (ليبول فيها)، فرسم الكلمتين قريب، وكل الروايات التي وقفت عليها إنما هي بذكر البول، وأيضًا لو كانت رواية لنصَّوا عليها وبينوها -هو وغيره-؛ لأهميتها في هذا الموضع.

الثاني: أنها تفسيرية منه، فقد قال القاري في نفس الموضع من شرحه على البخاري: "قوله: (فدعا بالطست)، يعني: ليتفل فيه"([8]).

 

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة