حجم الخط:

الحكم على الحديث:

الحديث يرويه محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، عن زينب بنت نبيط.

وقد اختلف في إسناد هذا الحديث ومتنه على محمد بن عمارة.

فأما الإسناد؛ فرُوي عنه على سبعة أوجه:

الوجه الأول: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط.

وهو رواية: عبد الله بن إدريس الأودي، وحاتم بن إسماعيل المدني.

الوجه الثاني: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، عن أمها.

وهو رواية: عبد الله بن جعفر، وصفوان بن عيسى الزهري.

الوجه الثالث: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، قالت: حدثتني أمي، وخالتي.

وهو رواية: محمد بن عمرو بن علقمة فيما يرويه سعيد بن يحيى سعدان اللخمي.

الوجه الرابع: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، عن أمها، عن خالتها.

وهو رواية: محمد بن عمرو بن علقمة فيما يرويه يحيى بن سعيد الأموي.

الوجه الخامس: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، عن أمها أو خالتها.

وهو رواية: محمد بن عمرو بن علقمة فيما يرويه أبو أسامة حماد بن أسامة.

الوجه السادس: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، عن أمها فريعة بنت أبي أمامة.

وهو رواية: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى في رواية أخرجها ابن منده.

الوجه السابع: محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، حدثتني أمي حبيبة، وخالتي كبشة، أختا فريعة بنت أبي أمامة.

وهو رواية: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى في رواية علقها أبو نعيم الأصبهاني.

ومن خلال هذا العرض يظهر أن اثنين من الرواة عن محمد بن عمارة قد اختلف عليهما كذلك، وهما: محمد بن عمرو بن علقمة، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى.

فأما محمد بن عمرو؛ فروى عنه الوجه الثالث سعيد بن يحيى سعدان اللخمي، وهو صدوق([1])، وروى عنه الوجه الرابع يحيى بن سعيد الأموي، وهو ثقة، ومن تكلم فيه فإنما في روايته عن الأعمش([2])، وروى عنه الوجه الخامس أبو أسامة حماد بن أسامة، وهو ثقة([3])، ولعل هذا الاختلاف -إن لم يكن تصحيفًا في أحد هذه الأوجه([4]) - من محمد بن عمرو نفسه؛ فليس هو من أهل الضبط والإتقان، قال ابن معين: "ما زال الناس يتقون حديث محمد بن عمرو، قيل له: ما علة ذلك؟ قال: كان مرة يحدث عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة"، وقال أحمد: "ربما رفع أحاديث يوقفها غيره، وهذا من قبله"، وقال أيضًا: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها ويسندها لأقوام آخرين... وهو مضطرب الحديث"، وقال ابن عدي: "ولمحمد بن عمرو بن علقمة حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات، وكل واحد منهم ينفرد عنه بنسخة، ويغرب بعضهم على بعض"([5]).

وأما إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى؛ فرُوي عنه الحديث على الوجهين السادس والسابع، ولم أقف على من رواهما عنه؛ فالوجه السادس ذكر ابن حجر أن ابن منده أخرجه، ولم يذكر الإسناد إلى إبراهيم، والوجه السابع علَّقه عنه أبو نعيم وغيره، وأيًّا كان الراوي عنه فروايته ساقطة؛ لأنه متروك، واتهمه بعضهم بالكذب([6])؛ ولذلك لا يثبت متن حديثه، والذي رواه بلفظ: (جاءت إلى النبي رعاث من ذهب، فحلى أختي حبيبة وكبشة منها، فلم يؤخذ منها صدقة)، ولم أقف على من رواه عن محمد بن عمارة بهذا السياق وهذه الزيادة غير ابن أبي يحيى؛ فيكون حديثه منكرًا.

وبذلك ينحصر الاختلاف على محمد بن عمارة في الوجهين الأولين:

فأما الوجه الأول فقد رواه عبد الله بن إدريس، وهو ثقة([7])، وأيضًا حاتم بن إسماعيل، وهو صدوق([8])، وأما الوجه الثاني فرواه صفوان بن عيسى الزهري، وهو ثقة([9])، وعبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، وهو ضعيف الحديث([10]).

والوجه الأول أوثق رجالًا من الثاني، لكنه لا يصح؛ لإرساله، فزينب بنت نبيط مختلف في صحبتها؛ ولذا فقد ترجم لها في كتب الصحابة: ابن السكن، وابن منده، وأبو نعيم، وأبو موسى المديني، ورجَّح ابن عبد البر صحبتها؛ بينما ذكرها ابن سعد، وابن حبان في التابعين، وهو ما صوَّبه ابن حجر، فقال: "وحديثها الذي رواه عنها محمد بن عمارة يدل على أنها ولدت بعد النبي ، فإن أمها كانت تحت حجر النبي ، أوصى بها وبإخوتها أبوهم أبو أمامة أسعد بن زرارة"([11]).

وقال ابن السكن: "رُوي عنها حديث مرسل، ويقال: إنها أدركت زمان رسول الله ولم تحفظ عنه شيئًا"([12])، وقال الذهبي أيضًا عن هذا الحديث: "مرسل"([13]).

وقد يكون الاختلاف في وصل الحديث وإرساله من محمد بن عمارة، فهو وإن كان وثقه ابن معين، فقد قال فيه أبو حاتم: صالح ليس بذاك القوي، ولخصَّ حاله ابن حجر بقوله: صدوق يخطئ([14]).

وأما المتن؛ فليس فيه غير ما ذكر ابن حجر أن ابن منده رواه بإسناده عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن زينب بنت نبيط، وفي آخره: (قالت: فحلاني من الرعاث) بدل: (فحلاهن)، ثم قال: "كذا أورده، وهو وهم، والصواب ما تقدم وهو: (فحلاهن)، وأورده ابن منده أيضًا من طريق عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عمارة، فقال: عن زينب بنت نبيط، عن أمها قالت: (كنت أنا وأختان لي في حجر رسول الله ، فكان يحلينا من الذهب والفضة) انتهى، وهذا يبين قول ابن السكن: إن الرواية التي ذكرها مرسلة، وإن الحديث عنها إنما هو عن أمها، وبه يصح اللفظ الذي أورده ابن منده، وينتفي عنه الوهم، وهو قولها: (فحلاني) فكأنه سقط من روايته: قولها: (قالت أمي: فحلاني) "([15]).

وما ذهب إليه ابن حجر فيه بعد، والأقرب أن قولها: (فحلاني) متصحفة من (فحلاهن)؛ فالحديث رواه عن عبد الله بن إدريس سبعة من الرواة، بسياق موافق لما نقله ابن حجر عن ابن منده، وعند جميعهم: (فحلاهن).

وذكر أيضًا أن ابن منده رواه بإسناده عن عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عمارة، عن زينب، وفيه: (فكان يحلينا من الذهب والفضة)، ولم يأت ذكر الفضة في غير هذا النقل، ولم يسم الراوي عن عبد الله بن جعفر؛ بينما رواه الثقات -وهم القاسم بن سلام، ومحمد بن أبي بكر المقدمي- عن ابن جعفر بلفظ: (فكان يحلينا رعاثًا من ذهب ولؤلؤ)، وتابعه على ذلك عبد الله بن إدريس، وصفوان بن عيسى، وحاتم بن إسماعيل، إلا أن رواية صفوان بلفظ: (يحلينا التبر واللؤلؤ)، والتبر هو الذهب قبل أن يصاغ([16])، وقد جاءت رواية حاتم بن إسماعيل مفسرة بذلك بلفظ: (فحلاهما رعاثًا من تبر ذهب فيه لؤلؤ)، وبهذا يظهر عدم ثبوت لفظة: (الفضة) عن عبد الله بن جعفر.

 

Adobe Systems

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة